أحزاب خارج الخدمة في ظل الأزمات.. غياب الحوار السياسي يهدد التجربة الحزبية
أحزاب خارج الخدمة.. غياب الحوار السياسي يهدد التجربة الحزبية

في ظل الأزمات التي تحاصر المواطن المصري، تكاد الأحزاب السياسية تختفي عن المشهد، وتبدو وكأنها خارج الخدمة بفعل فاعل. لا يجد الناس من يدافع عنهم سوى صفحات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت صفحات البلوجر أنشط من أكبر الأحزاب، ولديها جماهير ومتابعين أكثر من أعضاء الأحزاب الراهنة. بات معروفًا أن هناك أحزابًا تعبر عن مؤسسات وهيئات أكثر مما تعبر عن الواقع المصري.

تحزب على مواقع التواصل

في هذا السياق، لجأ الناس إلى التحزب على صفحات التواصل الاجتماعي، بل إن هناك جمعيات خيرية تنشط وتكون أكثر فاعلية من تلك الأحزاب. ولهذا غابت قيم الحوار والسياسة، لدرجة أنه تم تشكيل لجنة للحوار بعيدًا عن الأحزاب، وقامت تلك اللجنة بعمل مقدر، لكن لم يؤخذ بشيء مما اجتمع عليه المتحاورون. أصبحت السياسة في غرف الإنعاش، وهو ما يهدد بتراجع التجربة الحزبية التي يتجاوز عمرها المائة عام، منذ دستور 1923.

لا ديمقراطية بلا تعددية

لا توجد ديمقراطية بلا تعددية، ولا تعددية بدون أحزاب. ولا حل لمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية إلا بتفعيل حياتنا السياسية وتحسين بيئة العمل السياسي. كلما كانت البيئة مواتية للحركة السياسية، نشطت تلك الحياة وزادت درجة المشاركة الشعبية. ما زالت الأحزاب السياسية المصرية بعد تجربة التأسيس الثالثة التي بدأت في 11 نوفمبر 1976، عندما أعلن السادات في مجلس الشعب تحويل المنابر الثلاثة إلى أحزاب، تراوح مكانها دون أي تقدم يذكر في الأداء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

المصريون وحزب المصالح

وقد وقر في ضمير كثير من خبراء النظم السياسية أن المصريين لا يميلون إلى الحزبية بمعناها السياسي ودورها في إدارة البلاد. تحدث بعضهم بإسهاب عن مفهوم التنظيم المسيطر الذي يصل إلى حد يكاد يكون فيه الحزب الأوحد. يضربون على ذلك مثالًا بحزب الوفد الذي ظل لعدة عقود متربعًا في قلوب أتباعه باعتباره حزب الأغلبية الذي يجسد آمال المصريين. حتى كانت ثورة يوليو 1952 التي تغير بها كل شيء، ولكن وجدنا العائلات نفسها تزحف نحو هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي ثم حزب مصر ثم الحزب الوطني الديمقراطي، حتى وصلنا إلى أحداث يناير 2011. وهذا معناه ببساطة أن المصريين يتمركزون حول حزب المصالح أكثر من تجمعهم حول حزب المبادئ.

عدد ضخم من الأحزاب

يبلغ عدد الأحزاب في أدنى التقديرات 82 حزبًا، وفي أكثرها 112 حزبًا. هذا العدد كبير للغاية، ويفترض أن هناك نحو 112 قضية مصرية جوهرية مختلف عليها، كي يؤسس هذا الكم الهائل من الأحزاب. جدير بالذكر أن هذا العدد من الأحزاب نشأ معظمه في الأعوام القليلة التي أعقبت حركة 25 يناير 2011، أي أنه يعبر عن انطلاق بعد بوتقة التضييق على العمل السياسي التي وسمت بها حقبة مبارك، حيث كانت الأحزاب وقتئذ لا يتجاوز عددها 24 حزبًا عشية أحداث 25 يناير 2011.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

اتجاهات إيديولوجية محدودة

واقع الأمر أنه بعد أربعة عقود ونيف من التجربة الحزبية، اتضحت ملامح الاتجاهات الإيديولوجية والفكرية في الساحة السياسية، بوجود أربعة اتجاهات دون سواها. أولها، اليسار ذو الصبغة الاشتراكية. وثانيها، اليمين ذو الصفة الرأسمالية (بغض النظر عن حالة اللبس في انطباق تلك المفاهيم في الواقع المصري عما هو متعارف عليه بشأنها في الغرب). وثالثها، تيار الوسط. ورابعها، التيار ذو الصبغة الدينية. يلاحظ أن معظم الأحزاب قريبة من بعضها من حيث البرامج والتوجهات والأفكار والرؤى، ولا توجد بينها اختلافات جوهرية، وبالتالي يمكن دمجها في عدد محدود للغاية.

ضرورة الدمج الحزبي

لا شك أن عدم وجود محاولات جادة في هذا الصدد، يفقد الأحزاب مصداقيتها لدى المواطن من ناحية، ويبقي على ضعفها وهشاشتها من ناحية ثانية. لذا، إذا اعتبرنا الأحزاب هي أساسًا يمين، ووسط، ويسار، فيمكن تقسيم كل منها إلى ثلاثة أقسام (يمين اليمين، وسط اليمين، ويسار اليمين)، وهكذا بالنسبة للقسمين الآخرين، فيكون لدينا تسعة أحزاب فقط بدلاً من هذا العدد الضخم الذي نراه. بالطبع سوف تكون هناك مشكلة المحاصصة، فكل حزب -أو بالأحرى قيادات كل حزب- تريد أن تكون لها مواقعها المتميزة داخل الحزب الكبير، لكن مع صدق النوايا والمثابرة والدأب، يمكن التوصل إلى وضع مرضٍ لكل الأطراف.