لا شك أن معرفة ماذا يحدث عندما تذكر الله في ذي القعدة تزيد الحرص على هذه العبادة العظيمة، فكلما عرف العبد الفضل زاد خوفه من خسارته، ومن ثم كثر سعيه لاغتنامه. فذكر الله جل وعلا يعد من أعظم القربات، قال تعالى: (وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ). ولأننا في شهر ذي القعدة أحد الأشهر الحُرم التي يتضاعف فيها الأجر والثواب، فإن البحث عن ماذا يحدث عندما تذكر الله تعالى في ذي القعدة يصبح ضرورة لا يمكن لعاقل أن يفوتها مهما كانت الظروف والأحوال.
ماذا يحدث عندما تذكر الله في ذي القعدة؟
أجاب الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، عن هذا السؤال قائلاً: إن من جميل المنن وأعلى النعم أن الله سبحانه وتعالى يذكر اسمك في الملأ الأعلى عند ذكره تعالى. واستشهد بما ورد في الحديث القدسي: (ومن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرٍ منه).
ونوه بأن الله سبحانه وتعالى يمن علينا وهو الذي خلقنا ووفقنا لذكره، فإذا به يعطينا على هذا الذكر أجراً حسناً، مع أن الذكر يعود علينا بتنوير القلوب وغفران الذنوب. وتابع: فلو تخيل الإنسان أنه كلما ذكر ربه من قلبه ذُكر في الملأ الأعلى في الحضرة القدسية، وفي الحديث: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض).
وأضاف: يأخذ سيدنا جبريل الكلام وينزل به إلى من بعده ويقول إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه، فتتسلسل هذه المحبة من الملأ الأعلى، فيجد أحدكم نفسه وقد أحبه الناس من غير حول منه ولا قوة، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. وأوضح أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وعندما يذكرك الله في الملأ الأعلى فإنه يلقي عليك محبة منه، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، وهي دافعة للذكر، وتجعلك محلاً لنظره عز وجل (ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).
كيف نداوم على الذكر رغم الانشغال؟
أشار الدكتور علي جمعة إلى أنه في بعض الأحيان يكثر الانشغال بالدنيا ومشكلات الحياة فننشغل عن الذكر، فنصح بفعل شيئين: الأول: أن نذكر ولو قليلاً ولكن بديمومة، فـ"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". ونصح بالاستغفار مائة مرة، وقول "لا إله إلا الله" مائة مرة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة، صباحاً ومساءً فقط، مع المداومة عليها. وأكد أن المشكلة هي الديمومة على الذكر ولو كان قليلاً.
ونبه إلى أن هذا يحتاج إلى همة ومتابعة حتى تستقر العبادة عند الإنسان وتتحول إلى جزء من برنامجه اليومي، فإذا تحولت لن يتركها ويظل متشوقاً إليها. وثانياً: أن نجعل ذكر الله في حياتنا اليومية، فعند الأكل والشرب نقول: باسم الله، وعند الانتهاء نقول: الحمد لله، وعند الخروج في الصباح نقول: باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، وعند دخول المسجد نقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج نقول: اللهم افتح لنا أبواب فضلك، وعند الخروج من الحمام نقول: غفرانك. هذه كلمات بسيطة ولكنها تجعل للإنسان صلة مع الله، وتغلب على النسيان واللهو والانشغال.
ذكر الله لا يقتصر على التسبيح
ذكر الله عز وجل لا يقتصر على التسبيح والتهليل والتكبير والحمد، بل يشمل التفكر في خلق الله تعالى وفي نعمه، والصلاة، وقراءة القرآن، ودعاء الله ومناجاته، والاستغفار، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم العلم الشرعي، وحضور مجالس العلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كل ما يؤدي إلى معرفة الله تعالى والتقرب منه فهو نوع من أنواع الذكر، وقراءة القرآن الكريم وتلاوته لها ثواب كبير. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ).



