الإمساك الرمضاني لدى النساء: أسباب خفية تتجاوز قلة الألياف والماء
الإمساك الرمضاني عند النساء: أسباب خفية وطرق الوقاية

الإمساك الرمضاني لدى النساء: أسباب خفية تتجاوز قلة الألياف والماء

يُعتبر الإمساك من أكثر الشكاوى الصحية شيوعًا بين النساء خلال شهر رمضان، وغالبًا ما يُختصر السبب في "قلة الألياف" أو "عدم شرب كمية كافية من الماء". ورغم أهمية هذين العاملين، فإن الصورة أعمق بكثير، خاصة لدى النساء اللاتي تتداخل لديهن العوامل الهرمونية والنفسية ونمط الحياة اليومي مع طبيعة الصيام. فهم هذه الأسباب الخفية يساعد على الوقاية والعلاج بدل الاكتفاء بالحلول السريعة.

أسباب الإمساك الرمضاني عند النساء

أوضحت الدكتورة مروة كمال، أخصائية التغذية العلاجية، أن الإمساك الرمضاني عند النساء ليس نتيجة لقلة الألياف فقط، بل هو تفاعل معقد بين الهرمونات، النفسية، نمط الحياة، والعادات الغذائية. الوعي بهذه الأسباب يمنح المرأة قدرة أكبر على التعامل مع المشكلة بذكاء وهدوء، بدل اللجوء السريع إلى الملينات التي قد تُضعف وظيفة القولون على المدى البعيد.

أولًا: التغيرات الهرمونية وتأثيرها على حركة الأمعاء

يتأثر الجهاز الهضمي لدى المرأة بشكل مباشر بالتغيرات الهرمونية، خصوصًا هرموني الإستروجين والبروجستيرون. في بعض فترات الدورة الشهرية، يميل هرمون البروجستيرون إلى إبطاء حركة الأمعاء، ما يزيد من فرص حدوث الإمساك. وعندما يتزامن ذلك مع الصيام وتغير مواعيد الطعام، تصبح المشكلة أكثر وضوحًا. كما أن النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أو خلاله قد يعانين بطءًا طبيعيًا في حركة القولون بسبب التغيرات الهرمونية، وهو ما يتفاقم في رمضان نتيجة قلة عدد الوجبات واضطراب الإيقاع اليومي.

ثانيًا: اضطراب الساعة البيولوجية والنوم المتقطع

في رمضان، يتغير نمط النوم بشكل جذري. السهر حتى الفجر، والاستيقاظ للسحور، ثم النوم لساعات متقطعة، كلها عوامل تؤثر على "الساعة البيولوجية" للجسم. القولون يعمل وفق إيقاع منتظم مرتبط بالاستيقاظ والحركة الصباحية. وعندما يختل هذا الإيقاع، تضعف الرغبة الطبيعية في التبرز صباحًا. قلة النوم أو جودته الرديئة تؤثر أيضًا على الجهاز العصبي اللاإرادي، الذي ينظم حركة الأمعاء. فالقولون لا يعمل فقط بما نأكله، بل أيضًا بكيف ننام ونرتاح.

ثالثًا: التوتر والضغط العصبي قبل الإفطار

الكثير من النساء يتحملن عبئًا إضافيًا في رمضان بين إعداد الطعام، رعاية الأبناء، والالتزامات الاجتماعية. هذا الضغط، خاصة في الساعات الأخيرة قبل المغرب، يرفع مستوى هرمون الكورتيزول في الجسم. ارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة قد يؤدي إلى اضطراب في حركة الجهاز الهضمي، إما في صورة إسهال عصبي أو إمساك. الجهاز الهضمي يُلقب أحيانًا بـ"الدماغ الثاني"، لأنه يتأثر بشدة بالحالة النفسية. لذلك، فإن القلق والانشغال الذهني المستمر قد يكونان سببًا خفيًا وراء الإمساك، حتى مع تناول أطعمة صحية.

رابعًا: قلة الحركة والخمول النهاري

في الأيام العادية، تتحرك المرأة بين العمل والمنزل والمهام اليومية. لكن في رمضان، خاصة مع الحر والإرهاق، يقل النشاط البدني خلال ساعات الصيام. الحركة تحفّز انقباضات القولون، والمشي الخفيف بعد الوجبات يساعد على تحسين الهضم. الجلوس الطويل، سواء أمام التلفاز بعد الإفطار أو أثناء تحضير الطعام، يبطئ الدورة الدموية في منطقة البطن والحوض، ما ينعكس على بطء الإخراج.

خامسًا: الإفراط في السكريات والحلويات

المائدة الرمضانية غالبًا ما تكون غنية بالحلويات الشرقية والمشروبات المحلاة. الإفراط في السكر يسبب خللًا في توازن البكتيريا النافعة في الأمعاء، وقد يؤدي إلى بطء الهضم وانتفاخات. كما أن بعض الحلويات تحتوي على دهون مشبعة تؤخر إفراغ المعدة وتثقل حركة الأمعاء. السكر لا يُسبب الإمساك بشكل مباشر دائمًا، لكنه يخلق بيئة معوية غير متوازنة تؤثر على انتظام الإخراج.

سادسًا: نقص الدهون الصحية

الكثير من النساء يحرصن في رمضان على تقليل الدهون خوفًا من زيادة الوزن، فيتناولن أطعمة "جافة" قليلة الزيوت الصحية. لكن وجود كمية معتدلة من الدهون الصحية – مثل زيت الزيتون أو حفنة من المكسرات – يساعد على تليين البراز وتحفيز إفراز العصارة الصفراوية، التي تسهّل حركة الأمعاء. الحرمان الكامل من الدهون قد يؤدي إلى براز جاف وصعب الإخراج، حتى لو كان النظام الغذائي غنيًا بالألياف.

سابعًا: إهمال الرغبة في التبرز

بسبب الانشغال أو الحرج أو عدم توفر وقت مناسب، قد تتجاهل بعض النساء الإشارة الطبيعية للتبرز، خاصة في الصباح بعد السحور. تكرار هذا السلوك يؤدي إلى تعوّد القولون على الكسل وفقدان الإحساس المنتظم بالحاجة إلى الإخراج. تأجيل الدخول إلى الحمام يسبب امتصاص المزيد من الماء من البراز داخل القولون، فيصبح أكثر صلابة وصعوبة في المرور.

ثامنًا: المكملات الغذائية والحديد

بعض النساء يتناولن مكملات الحديد أو الكالسيوم خلال رمضان لتعويض النقص أو دعم الطاقة. من المعروف أن مكملات الحديد تحديدًا قد تسبب الإمساك كأثر جانبي شائع، خاصة إذا لم تُؤخذ مع كمية كافية من السوائل أو دون إشراف طبي. لذلك من المهم مراجعة نوع المكملات وتوقيتها، ومناقشة الطبيب إذا ظهرت مشكلة الإمساك بعد البدء بها.

تاسعًا: قلة شرب الماء بشكل متوازن

ليس فقط "كمية" الماء مهمة، بل "طريقة توزيعه". شرب كميات كبيرة دفعة واحدة بعد الإفطار لا يعوض ساعات الجفاف الطويلة، وقد لا يستفيد منه القولون بالشكل الكافي. من الأفضل تقسيم الماء بين الإفطار والسحور على فترات منتظمة، مع تجنب المشروبات المدرة للبول بكثرة مثل القهوة والشاي.

كيف يمكن الوقاية من الإمساك الرمضاني؟

وتستعرض الدكتورة مروة أهم خطوات الوقاية من الإمساك:

  • تنظيم النوم قدر الإمكان: النوم المبكر بعد التراويح ولو لعدة ساعات متواصلة.
  • المشي الخفيف بعد الإفطار لمدة 15–20 دقيقة.
  • إضافة دهون صحية معتدلة إلى الوجبات.
  • تقليل الحلويات والمقليات.
  • تحديد وقت ثابت لدخول الحمام يوميًا حتى لو لم تكن الرغبة قوية.
  • تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق لتقليل التوتر.
  • مراجعة المكملات الغذائية إذا استمر الإمساك.

الاهتمام بالجسم خلال رمضان لا يعني فقط الامتناع عن الطعام، بل فهم احتياجاته الدقيقة واحترام إيقاعه الطبيعي، حتى يمر الشهر بروحانية وصحة متوازنة.