قد يبدو للوهلة الأولى أن الكوابيس المزعجة تباغت الإنسان فجأة ومن دون أي سابق إنذار، إلا أن العلماء نجحوا الآن في كشف النقاب عن حقيقة مغايرة، مؤكدين أن أشد الرؤى الشيطانية قتامة وظلمة تتبع في الواقع نمطًا مرعبًا ومنظمًا يمتد عبر عدة ليالٍ متتالية.
تفاصيل الدراسة
للوصول إلى هذه النتيجة، جنَّد علماء النفس 124 متطوعًا طُلب منهم الاحتفاظ بمذكرات أحلام مفصلة ودقيقة على مدار أسبوعين كاملين. ركز الباحثون جهودهم على البحث بعناية وتدقيق عن أي مواضيع أو تفاصيل ترتبط بظهور كائنات غريبة؛ ليكتشفوا أن الكوابيس التي تتضمن كائنات شيطانية، بدلاً من كونها مجرد حوادث عشوائية ومعزولة، غالبًا ما تسير وفق خطة ونمط يمكن التنبؤ به مسبقًا، ويتمثل في تصاعد تدريجي ومستمر لحدة التهديد.
ظاهرة غريبة تثير الكوابيس
في بعض الحالات والسيناريوهات الموثقة، قد يستغرق الأمر عدة أيام متواصلة من الأحلام المزعجة والمقلقة بشكل متزايد، وذلك قبل أن يظهر الكيان الشيطاني بشكل صريح ونهائي في نهاية المطاف. وفي تفصيل آخر يثير الرعب في النفوس، وجد الباحثون أن العناصر والمكونات التي تشكل الهيئة الشيطانية لا تأتي دفعة واحدة، بل تظهر بشكل عشوائي ومتقطع وعبر أشكال وهيئات مختلفة؛ حيث يبدأ نمط التصعيد هذا عادةً بحلم مزعج وبسيط، يبرز فيه شخصية غريبة الأطوار وملفتة للانتباه، ولكنها تبدو في تلك المرحلة غير مؤذية للرائي.
وبمرور الليالي وتقدمها ببطء، يأخذ هذا الشكل في التحول ليصبح أكثر تهديدًا وعدوانية، ويبدأ في الاقتراب الجسدي الفعلي من الشخص الحالم، إلى أن تتوج السلسلة بأكملها في الليلة الحاسمة بكابوس كامل الأركان يتميز بوقوع هجوم شيطاني عنيف ومرعب، بحسبما كشفت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
ظهور شخصيات مخيفة في الكوابيس
يُعد ظهور شخصيات مخيفة أو حتى كائنات تصنف بأنها شريرة في الكوابيس ظاهرة علمية موثقة في الأدبيات الطبية والنفسية؛ فمنذ العصور الوسطى، جرى العرف على إلقاء اللوم على الشياطين باعتبارها المسؤول الأول عن جلب الأحلام السيئة والرؤى الفظيعة، بل وتم ربطها بحالة شلل النوم المرعبة والمعروفة طبيًا بـ «الجاثوم». وفي عصرنا الحالي وعلى منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، يتداول الناس ويناقشون بكثرة رؤية ما يسمونه «شيطان شلل النوم»، واصفين إياه بأنه قوة خبيثة وخارقة تتربص بهم وترهب رؤاهم الليلية؛ ومع ذلك، فإن التفسير العلمي الدقيق والواضح لسبب تجسد هذه الشخصيات الشيطانية تحديدًا في أحلام العديد من البشر يظل حتى الآن أقل وضوحًا وحسمًا في الأوساط العلمية.
وصرح باتريك ماكنمارا، وهو أستاذ علم النفس في الجامعة الوطنية، في حديث أدلى به لموقع «PsyPost» المتخصص قائلًا: «لقد لاحظت من خلال عملي وأبحاثي المستمرة على محتوى الكوابيس وتحليله، أن العديد من المشاركين في تلك الدراسات قد أبلغوا عن شعورهم بضيق نفسي أكبر وأعمق عندما شعروا أو اعتقدوا أنهم واجهوا شيئًا شريرًا أو شيطاني المظهر في كوابيسهم».
التحليل العلمي للظاهرة
في ورقتهم البحثية المستفيضة، والتي جرى نشرها رسميًا في مجلة «Dreaming» المتخصصة، وضع الباحثون تعريفًا محددًا للمحتوى الشيطاني في الأحلام، يصفه بأنه ظهور شخصيات أو كائنات تعبر بشكل واضح عن شعور بالشر الخارق للطبيعة، وتحمل في ذات الوقت نية خبيثة وعدوانية مبيتة لإلحاق الأذى والضرر بالشخص الحالم. وقد قام البروفيسور ماكنمارا بالتعاون مع زملائه من المؤلفين بجمع وفحص 1599 تقريرًا فرديًا يتعلق بالأحلام من المشاركين في هذه الدراسة؛ ومن بين هذا العدد الضخم من الأحلام، تبين أن هناك 16 حلمًا يعود لـ8 حالمين مختلفين قد احتوت بشكل صريح ومباشر على محتوى شيطاني واجلي، في حين احتوت مجموعة ثانية من التقارير على مواضيع تصنف بأنها شيطانية على الحدود أو رمادية الملامح.
وبينما كانت بعض هذه الأحلام بمثابة هجمات فردية مفاجئة، إلا أن البعض الآخر برز بوضوح كجزء من سردية ممتدة وتراكمية أدت في النهاية إلى كابوس واحد مرعب.
رؤى غريبة تثير الإزعاج أثناء النوم
ويستطرد البروفيسور ماكنمارا قائلًا: «لم أكن متفاجئًا بشكل كامل من هذه النتائج، ولكنني شعرت بانبهار حقيقي وتام أمام حقيقة أن المحتوى الشيطاني، أو ما يُعرف بالشيطان، كان يُعلن عن نفسه مسبقاً أو يظهر كشخصية تحمل تهديدًا غامضًا وغير مفهوم في سياق حلم عادي وغير مزعج، وذلك قبل أيام عدة من ظهوره الفعلي والمرعب في الكابوس الرئيسي. على سبيل المثال، فإن تجربة إحدى النساء المشاركات مع هذا الكيان بدأت بحلم بسيط رأت فيه امرأة شابة ذات شعر أسمر تطفو فوق تلة وهي ترسم على وجهها ابتسامة خبيثة؛ وعلى مدار الليالي التالية، تكرر ظهور هذه الشخصية الأنثوية مرة أخرى ولكن بأشكال متنكرة ومختلفة، حيث تجسدت في حلم كأنها سكرتيرة مكتب، وفي حلم آخر ظهرت على هيئة ابنة الحالمة نفسها. ومع استمرار هذا التسلسل وتتابعه، اختبرت الحالمة ما أطلق عليه الباحثون اسم «التحول البُعدي»، حيث أصبحت أجواء أحلامها أكثر قتامة وسوداوية، وبدأ ذلك الحضور الخفي يقترب منها جسدياً بشكل حثيث، حتى بلغ التسلسل ذروته القصوى بهجوم شيطاني كامل تجسد في صورة روح شاحبة عائمة تهاجمها في كابوسها المروع».
لاحظ الباحثون أيضًا قاسمًا مشتركًا آخر، وهو أن هؤلاء الحالمين غالبًا ما أبلغوا في مذكراتهم عن شعورهم الشديد بالعجز التام، أو بأن هويتهم الشخصية أصبحت هشة ومعرضة للانفصام والانهيار؛ حيث أبلغت إحدى الحالمات عن سلسلة متصلة من الرؤى بدأت برؤية نفسها في المرآة ولكن على هيئة امرأة مسنة تعيش في أواخر القرن التاسع عشر وتعمل كخادمة، وفي حلم تالٍ، تحولت تلك المرأة إلى زهرة طائرة مجبرة ومسيرة لخدمة كيان شرير خارق للطبيعة. وأدى هذا السرد التصاعدي في نهاية المطاف إلى كابوس مفزع رأت فيه نفسها متزوجة من الشيطان شخصيًا، والذي كان يقوم بغسل دماغها بانتظام ليجعلها في حالة عبودية وخضوع دائم له.
سمات مشتركة في الكوابيس الشيطانية
من السمات والخصائص الشائعة الأخرى التي رُصدت في هذه الكوابيس الشيطانية، بروز ظاهرة تشويه معالم الخلفية والمحيط وتحويلها إلى شيء مخيف ومجهول يبعث على التهديد؛ إذ كانت الأحلام تدور غالبًا في منازل مهجورة، مظلمة ومخيفة، أو في أماكن معتمة، أو في مواقع غريبة وجديدة تتميز بحدوث تحولات وتغيرات بعدية جامحة وغير منطقية بالمرة. وعادة ما يُظهر الشيطان في هذه الرؤى اهتمامًا بالغًا وشديدًا بإلحاق الأذى والضرر بالحالم، سواء كان ذلك الأذى جسديًا مباشرًا، أو عن طريق تدمير إحساسه بذاته وهويته من خلال عمليات التحول المستمر أو التلاعب النفسي. ورغم أن الحالمين أبلغوا في كثير من الأحيان عن محاولاتهم المستميتة لمقاومة هذا الشيطان ومحاربته، والاستعانة في كثير من الأحيان بالأصدقاء وأفراد العائلة داخل الحلم، إلا أن جميع هذه المحاولات الدفاعية كانت تبوء بالفشل دائمًا وتقريبًا.
الربط بمعالجة الذكريات العاطفية
ويشير الباحثون في تحليلهم العلمي لهذه الظاهرة إلى أن هذه الأحلام قد تكون مرتبطة بشكل وثيق بكيفية وآلية معالجة الدماغ البشري للذكريات العاطفية المختزنة، والتي تنطوي على مشاعر خوف شديد، أو صدمات وتوتر وضغوطات حياتية حادة. فعندما نغط في النوم، يحاول نظام الذاكرة في الدماغ جاهدًا معالجة هذه الذكريات المؤلمة وتفكيكها ومن ثم دمجها بشكل آمن على مدى عدة ليالٍ متتالية. ولكن إذا كان العبء العاطفي والنفسي الملقى على عاتق الدماغ كبيراً وفوق طاقته، فإن عملية التكامل والتطهير هذه تفشل وتتعطل، ونتيجة لهذا الفشل يحصل الحالم على الكابوس الشيطاني الكامل الذي كان يتراكم ويتبلور ببطء في عقله الباطن.



