هناك لحظات في التاريخ تخرج فيها الظواهر عن سياقها المنطقي، لتتحول إلى أساطير مسمومة تقتات على أوجاع الناس وتنمو في ثقوب الوعي. وما نشهده اليوم من حالة جنونية تلتف حول شبح الدكتور ضياء العوضي، بعد أسابيع من رحيله ـ أو اغتياله كما يدعي أنصاره خلافًا للحقيقة ـ لا ينتمي إلى عالم الطب أو العلم بصلة، بل إلى عالم الجنون وسيطرة الخرافة على العقل، والابتعاد عن الأدلة العلمية والمنطق.
مشهد عبثي على وسائل التواصل
نحن أمام مشهد عبثي؛ فيديوهات العوضي تحقق انتشارًا مخيفًا يفوق ما كانت عليه في حياته، وجيش من المجانين المؤمنين بـ نظام الطيبات يشهرون سيوف الهجوم ضد كل من يحاول الاحتكام إلى العقل. نحن لا نناقش بروتوكولًا علاجيًّا، بل نواجه عقيدة قطيع يرفض أصحابها الدليل المادي، ويفضلون الانتحار الجماعي على الاعتراف بأنهم كانوا ضحايا لـ الوهم.
والغريب أن منصات التواصل الاجتماعي لم تضع أي قيد على فيديوهات العوضي، بل فتحت المجال أمامها لتصل إلى الملايين في مصر والعالم العربي، في الوقت الذي لا تزال فيه الخوارزميات ـ خاصة على فيسبوك ـ تحذف أو تقيّد الأخبار والمحتويات التي تتحدث عن حركات المقاومة أو صور ضحايا غزة، ما أتاح لفيديوهات العوضي تحقيق مشاهدات تصل إلى مئات الملايين.
ترويج الأوهام بدلاً من العلم
إن ما فعله العوضي لم يكن ثورة على المنظومة الطبية أو حربًا على شركات الأدوية، بل كان في الحقيقة ترويجًا لأوهام لا علاقة لها بالعلم أو المنطق، مستخدمًا استراتيجية تعتمد على الصدمة ومغازلة العقل الجمعي لأنصاره، عبر الحديث عن مؤامرة عالمية تريد لهم الاستمرار في المرض لتعظيم مبيعات الأدوية.
لا أحد ينكر أن ضياء العوضي كان طبيبًا وأستاذ جامعة متفوقًا، لكنه لم يستخدم العلم أو المنطق في الترويج لنظامه الغذائي. وعندما تم فصله من الجامعة وشطبه من سجلات نقابة الأطباء، عرف كيف يلعب على أوتار المظلومية، واستطاع أن يقنع أنصاره بأن فصله من جامعة عين شمس وشطبه من النقابة لم يكونا عقابًا مهنيًا على تجاوزات علمية، بل وسامًا يثبت أنه يحارب أباطرة شركات الأدوية في مصر والعالم.
المظلومية تمنح قدسية زائفة
هذه المظلومية منحت كلامه ـ رغم خشونته وإهانته لمرضاه البسطاء ـ قدسية خاصة. فجأة تحول الطبيب منفلت اللسان إلى مسيح مخلّص، وأصبح قوله: “أنا مرجعية نفسي” هو الدستور الجديد لآلاف البسطاء من أنصاره.
ما قدمه العوضي لم يكن نظامًا غذائيًا، بل اختزالًا مُخلًّا لبيولوجيا الجسد المعقدة. أوهم البعض بأن السرطان والسكر والفشل الكلوي مجرد أكلات خاطئة، وأن الشفاء يكمن في الامتناع عن أطعمة معينة والحرص على تناول الطيبات فقط، وفق القائمة التي وضعها بنفسه.
مرآة لأزمة العقل في المجتمع
إن ظاهرة العوضي هي مرآة كاشفة لأزمة العقل في مجتمع تنهشه الخرافة برعاية التريند. لقد تحول وهم الفهم ومؤامرة شركات الأدوية على المرضى إلى عقيدة انتحارية تجعل الناس يقدسون الوهم ويهاجمون المنطق. إن معركتنا اليوم ليست مع طبيب رحل، بل مع مجانين يسيرون خلف شبح، ومع منصات تواصل اجتماعي تشارك في ترويج الوهم وبيع أرواح بعض المرضى مقابل مشاهدات مليونية ضخمة. لقد تجاوز نموذج العوضي الظاهرة السلبية ليصبح جريمة تاريخية في حق العقل وصحة المصريين.



