مع بداية شهر "بشنس" في التقويم المصري القبطي، والذي يمتد من 9 مايو حتى 7 يونيو، أعلن خبراء المناخ الزراعي دخول مصر فعليًا إلى مرحلة "الصيف المناخي"، بالتزامن مع انطلاق أولى الموجات الحارة القوية خلال عام 2026، وسط تحذيرات من تأثيراتها المباشرة على المحاصيل الزراعية والعمالة الحقلية.
تفاصيل التحذيرات
أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن شهر بشنس يُعد الشهر التاسع في التقويم القبطي، وأول شهور موسم "شمو"، المعروف تاريخيًا بموسم الحصاد لدى المصريين القدماء. وأشار إلى أن الأجواء خلال هذه الفترة تشهد تحولًا واضحًا نحو الطقس الصيفي الحار.
وأوضح أن بداية بشنس 2026 تزامنت مع موجات حر حقيقية تميل إلى "الصيف الصريح"، حيث ترتفع درجات الحرارة لعدة أيام متتالية قبل أن تنخفض نسبيًا ثم تعاود الارتفاع مجددًا، وهو ما يعكس بداية مرحلة مناخية مختلفة أكثر سخونة واستقرارًا.
الظواهر المناخية المصاحبة لبداية بشنس
أشار فهيم إلى أن من أبرز الظواهر المناخية المصاحبة لبداية بشنس اختفاء برودة الليل بشكل شبه كامل، مع تجاوز درجات الحرارة الصغرى حاجز 15 درجة مئوية بصورة مستقرة، ما يعني انتهاء الأجواء المائلة للبرودة ليلًا حتى إشعار آخر.
وأضاف أن ارتفاع حرارة الليل يؤدي إلى زيادة ما يُعرف بـ"تنفس الظلام" لدى النباتات، وهو ما يرفع معدلات استهلاك الغذاء والطاقة المخزنة داخل النبات أثناء الليل، الأمر الذي قد يتسبب في ضعف تحجيم الثمار أو ظهور علامات إجهاد على بعض المحاصيل رغم انتظام عمليات الخدمة الزراعية.
كما حذر من أن حرارة النهار خلال هذه الفترة تختلف تمامًا عن أي وقت سابق، نتيجة زيادة شدة الإشعاع الشمسي والطاقة الحرارية المصاحبة له، مؤكدًا أن تسجيل درجات حرارة مرتفعة في نهاية بشنس يكون أكثر تأثيرًا وخطورة على النباتات والإنسان معًا.
ولفت إلى أن الفترة المقبلة ستشهد سيادة الموجات الحارة الطويلة، بحيث تتوالى موجات الحر بشكل متقارب، مع ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الليل لتتجاوز 20 درجة مئوية بدءًا من منتصف بشنس وحتى نهاية فصل الصيف تقريبًا.
التأثيرات الصحية
فيما يتعلق بالتأثيرات الصحية، أكد فهيم زيادة خطورة التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، بسبب اقتراب تعامد الشمس على مدار السرطان وسيادة الأشعة الشمسية قصيرة الموجة الأكثر اختراقًا وتأثيرًا، مما يرفع احتمالات الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري.
التأثيرات الزراعية
على الصعيد الزراعي، يشهد شهر بشنس حصاد عدد كبير من المحاصيل الشتوية طويلة الموسم، وعلى رأسها القمح والفول والبنجر والبصل والثوم والنباتات الطبية والعطرية، بالتزامن مع الانتهاء من زراعة المحاصيل الصيفية مثل الذرة والقطن والأرز والسمسم وفول الصويا وعباد الشمس والفول السوداني.
كما تدخل أشجار الفاكهة خلال هذه الفترة مرحلة النمو السريع للثمار، خاصة المانجو والزيتون والموالح والعنب والرمان والتين والبلح والكمثرى، وهو ما يجعل انتظام الري والتغذية عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على جودة الإنتاج.
وأكد خبراء المناخ الزراعي أن البوتاسيوم يمثل "عنصر الحسم" خلال هذه المرحلة، بينما يُعد الكالسيوم "مفتاح الثبات"، إلى جانب أهمية الانتظام الدقيق في الري لتجنب الإجهاد الحراري للنباتات.
المشكلات الزراعية المتوقعة
حذر تقرير صادر عن مركز معلومات تغير المناخ من ظهور عدة مشكلات زراعية مع تصاعد الموجات الحارة، أبرزها ضعف تحجيم الثمار في محاصيل مثل المانجو والزيتون والعنب والموالح والرمان، بالإضافة إلى ضعف التلقيح والإخصاب في المحاصيل الصيفية نتيجة الرياح الساخنة.
كما يُتوقع زيادة معدلات تساقط العقد الحديث أو ما يُعرف بـ"التنفيل" في محاصيل الخضر مثل الطماطم والفلفل والخيار والكوسة والباذنجان والبامية، فضلًا عن ارتفاع نشاط الآفات المرتبطة بالحرارة، وعلى رأسها العنكبوت الأحمر والبق الدقيقي والحشرات القشرية وديدان الأوراق والثمار.
وأشار التقرير أيضًا إلى احتمالات زيادة الأمراض النباتية المحبة للرطوبة والحرارة، مثل البياض الزغبي والتبقعات والأنثراكنوز والأمراض البكتيرية، ما يستوجب تكثيف برامج الوقاية والمتابعة الدورية.
توصيات للمزارعين
نصح خبراء الزراعة المزارعين بضرورة ضبط عمليات الري وتجنب التعطيش أو التغريق، مع تكثيف إضافات البوتاسيوم والماغنسيوم بالتبادل مع الكالسيوم، والامتناع عن الرش خلال فترات الظهيرة، إلى جانب المتابعة اليومية للآفات وعدم انتظار تفاقم الإصابة قبل التدخل.
كما شددوا على أهمية تجنب التعرض المباشر للشمس أثناء العمل الحقلي خلال ساعات الذروة، وتجهيز برامج وقائية للأمراض بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن "الوقاية خير من العلاج"، وأن الالتزام بالتوقيتات الزراعية السليمة والمتابعة الدقيقة للتغيرات المناخية يمثلان مفتاح النجاح خلال الموسم الصيفي الحالي.



