احتفلنا بطريقتنا الخاصة بالعالم الكبير الدكتور أحمد شقير، أستاذ جراحة المسالك البولية في مركز أمراض الكلى بجامعة المنصورة، والذي اشتهر باسم مركز غنيم نسبة إلى مؤسسه العالم الكبير الدكتور محمد غنيم. كان الموعد يوم الجمعة، ولم تتغير طقوسنا في هذا اليوم منذ سنوات.
إنجاز عالمي جديد
كان سبب الاحتفال إنجازاً عالمياً جديداً أضافه الدكتور شقير إلى سجل إنجازاته الحافل، حيث قاد برنامجاً في زمالة الأبحاث الإكلينيكية، وهو برنامج دولي متطور لتأهيل الباحثين. وقد نال الدكتور شقير العديد من الجوائز محلياً ودولياً، ويُعتبر الأول في مجاله على مستوى أفريقيا والعالم العربي. كما شغل منصب مدير مركز الكلى لعدة سنوات.
طبيب زاهد بلا عيادة
لم يتقاضَ الرجل قرشاً واحداً من أي مريض طوال مسيرته المهنية، فهو لا يمتلك عيادة خاصة على الإطلاق. اكتفى بعمله في مركز الكلى، وبحوثه التي تنشرها كبرى المجلات العلمية، ومحاضراته في الخارج، وتدريبه المستمر للباحثين.
تفاصيل يوم الاحتفال
بدأنا يومنا بوجبة الفطور في مطعم الفول والطعمية الشهير بحي السيدة زينب. جلسنا على رصيف الشارع، وحاولنا حماية الدكتور شقير من فضلات العصافير التي تسكن الشجرة المجاورة، لكننا فشلنا. أصابت العصافير مناطق متفرقة من جاكيته، لكنه اعتبر ذلك فألاً حسناً، قائلاً: "كسوة جديدة في الطريق إليّ".
بعد الفطور، انتقلنا إلى مقهى على نفس الرصيف لتناول الشاي. استمعنا منه إلى حكايات كثيرة عن مرضى الكلى البسطاء الذين يأتون إليه من جميع أنحاء الريف، وعن آخرين يأتون من الخارج بسبب ثقتهم بالمركز. ثم أدينا صلاة الجمعة في مسجد السيدة زينب، وقمنا بجولتنا المعتادة في شوارع وسط القاهرة، قبل أن ينصرف الدكتور شقير عائداً إلى المنصورة.
قصة مريض آخر
في اليوم التالي، علمت بمرض أحد أصدقائي، فذهبت لزيارته في المستشفى. كان صديقي يفيق ويدخل في غيبوبة بين الحين والآخر، وطلب مني نقله إلى منزله لأن تكلفة الإقامة في المستشفى تصل إلى مائة ألف جنيه يومياً. وقد أمضى هناك عشرة أيام، وكان يخشى أن يضطر لبيع أثاث منزله بعد أن أنفق شقى سنوات شبابه في الغربة.
نقلناه إلى المنزل، وتواصلنا مع طبيب مصري يقيم في ألمانيا ويأتي إلى القاهرة مرتين شهرياً لإجراء جراحات في بعض المستشفيات. طلب الطبيب نقل صديقي فوراً إلى إحدى المستشفيات التي يتردد عليها، على أن يأتي بعد يومين لتشخيص حالته. نقلناه، وجاء الطبيب، وشخّص الحالة، ونصح بإجراء جراحة في اليوم التالي.
أسعار باهظة
وافقنا على الجراحة، لكن الطبيب طلب تحويل مليون ومائتي وخمسين ألف جنيه إلى حسابه الشخصي، ومائتي وخمسين ألف جنيه أخرى لحساب المستشفى. رفض صديقي في البداية، لكن زوجته وأبناءه نفذوا تعليمات الطبيب. لم يقبل الطبيب أي تفاوض أو أعذار، قائلاً: "هذه أسعاري، وإن لم تعجبكم فأنتم أحرار. عليكم اتخاذ القرار خلال ساعة، لأنني سأعود إلى ألمانيا بعد 24 ساعة".
الفرق بين الرسالة والتجارة
كان طبيعياً أن أقارن بين هذا الطبيب والدكتور أحمد شقير. تذكرت تفاصيل احتفالنا به، وبساطته في كل شيء، وحكاياته الإنسانية مع مرضاه الفقراء. لقد أجرى آلاف الجراحات وزرع مئات الكلى، ولم يتقاضَ سوى راتبه من الجامعة. عشر عمليات زراعة كلى فقط كانت كافية لنقله من شقته المتواضعة إلى أفخم القصور.
تذكرت وقوف الدكتور شقير أمام العمارات العتيقة في وسط القاهرة، وانبهاره بالشوارع وكأنه يراها لأول مرة. وتذكرت مقولته التي سكنت ذاكرتي: "مصر دي عظيمة يا جماعة، وناسها طيبين ويستاهلوا كل خير".
عرفت الفرق بين الطب كرسالة والتجارة في الطب. عرفت الفرق بين الطبيب الزاهد والطبيب الطامع.



