يعد مشروع الجينوم المصري أحد أضخم المشروعات القومية في تاريخ مصر الحديث، إذ يستهدف إعداد خريطة جينية متكاملة للمواطن، من خلال تحليل آلاف العينات الممثلة لمختلف المحافظات، ورصد الملايين من التباينات الجينية، بما يسهم في تحسين دقة التشخيص والعلاج، ودعم تطبيقات الطب الشخصي، وتعزيز مكانة مصر إقليمياً في مجال أبحاث الجينوم، تماشياً مع توجهات الدولة نحو توطين التكنولوجيا الحيوية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتعمل وزارة التعليم العالي على دعم المشروع في مجال التسلسل الجيني الكامل وبناء قاعدة بيانات وراثية متكاملة، إلى جانب التقدم في تحليل التباينات الجينية وربطها بالأمراض الأكثر شيوعاً، بما يدعم توجه الدولة نحو تطبيقات الطب الدقيق، كذلك بناء القدرات البشرية في مجالات علوم الجينوم، من خلال تدريب وتأهيل الكوادر البحثية من الطلاب والباحثين إلى جانب العمل على تطوير بنية تحتية رقمية متقدمة تدعم المشروع، أيضاً تعزيز آليات التعاون بين مختلف الجهات المشاركة، وتكثيف التواصل والتنسيق بما يسهم في تسريع وتيرة العمل، وتحقيق التكامل بين مكونات المشروع.
أهداف المشروع وفوائده
ويهدف المشروع إلى إنشاء قاعدة بيانات جينية مرجعية، من خلال دراسة وتحليل عدد من العينات، لاستكشاف علاقات الدلالات الجينية والشفرة الوراثية أو الجينومية مع مظاهر الصحة والمرض في الإنسان، مما يمكن من الاستفادة في وضع محددات جينية للتشخيص المبكر، والتنبؤ بالأمراض الأكثر شيوعاً بين المصريين؛ مثل أمراض القلب والأورام والأمراض الوراثية، وتحديد أسباب المرض وطبيعته ومدى استجابة الجسم للعلاج، وتوفير التدخل الطبي المبكر، وتحديد العلاج الأمثل الذي يتناسب مع العوامل الجينية للمرضى المصريين بشكل خاص، كما أن المشروع سيساعد أيضاً على التنبؤ بالأمراض الوبائية المستقبلية وتحديد طرق مواجهتها، حيث يمكن من خلال دراسة العينات التوصل إلى طبيعة كل فيروس والعوامل المسببة له، وكيفية مواجهته علاجياً، وتوقع موجات الفيروسات المقبلة، ورسم خريطة بكافة طرق المواجهة والعلاج.
وتتنوع فوائد تنفيذ هذا المشروع، ما بين تحسين منظومة الصحة العامة والرعاية الصحية، وتحسين جودة حياة المصريين، وتخفيض تكلفة الرعاية الطبية، ورسم خطط وقائية تحمي المصريين من الأمراض والأوبئة غير المتوقعة، وعلاج الأمراض المستعصية، وتطبيق الوراثة الدوائية في العلاج، فضلاً عن تنمية العلوم الطبية، وتنمية صناعات جديدة، وخلق فرص عمل في مجالات جديدة.
الخطة التنفيذية للمشروع
وتتضمن الخطة التنفيذية للمشروع مرحلتين، الأولى تتضمن دراسة عينات جينية لأفراد أصحاء خلال خمس سنوات، فيما تتضمن المرحلة الثانية دراسة عينات جينية لأفراد يعانون من الأمراض الشائعة في المجتمع المصري، لتحديد التتابع الجيني والمتغيرات الجينية المصرية التي تحدد قابلية الإصابة بالأمراض، وتوفير طرق علاج متخصصة ومصممة بناءً على التراكيب الجينية.
تصريحات المسؤولين
وأكد الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أهمية المشروع باعتباره أحد أكبر المشروعات البحثية القومية، مشيراً إلى ما يمثله من قيمة علمية مضافة وإنجاز نوعي غير مسبوق في سجل البحث العلمي المصري، في ضوء ما حققه من تقدم في بناء خريطة جينية مرجعية دقيقة تعكس الخصائص الوراثية للمصريين. دعا الوزير لضرورة التوسع في نطاق عمل المشروع من خلال إطلاق نداءات تنافسية لمشروعات بحثية متفرعة في المجالات ذات الصلة، بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية، مؤكداً استعداد الوزارة لتقديم الدعم المالي اللازم لها بالتعاون مع جهات التمويل البحثي التابعة للوزارة. وأشار «قنصوة» إلى أهمية أن تستهدف هذه النداءات الطلاب والباحثين وأعضاء هيئة التدريس، لتشجيع المتميزين داخل الجامعات والمراكز البحثية في هذا التخصص، وكذلك التركيز على المشروعات التطبيقية القابلة للتنفيذ والتي تسهم في تلبية احتياجات المجتمع وتدعم خطط التنمية. ثمّن الوزير التكامل المؤسسي بين الجهات المشاركة، وفي مقدمتها أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ومركز البحوث الطبية والطب التجديدي، إلى جانب الوزارات المعنية، بما في ذلك وزارات الصحة والسكان والسياحة والآثار والشباب والرياضة، وذلك بما يضمن تعظيم الاستفادة من مخرجات المشروع وتحقيق أهدافه الاستراتيجية التي تسعى إليها الدولة. ونوه بتميز مشروع الجينوم المصري على المستوى الدولي، خاصة فيما يتعلق بمحور دراسة جينوم قدماء المصريين، مشيراً إلى استمرار التنسيق مع الجهات المعنية بهذا الملف، لتعزيز فهم التطور الجيني لقدماء المصريين عبر العصور.
وأشاد الدكتور عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية للشئون الصحية، بمشروع الجينوم، واصفاً إياه بأنه إضافة كبيرة ستسهم في إحداث طفرة كبيرة في القطاع الطبي المصري والثورة العلاجية والطب التشخيصي، ويؤكد التزام مصر بالريادة في مجال الطب الدقيق والعلوم الجينية. وقال «تاج الدين» إن مشروع الجينوم القومي يمثل نقلة حقيقية وذلك منذ انطلاقته وحتى خروجه إلى النور، مثمناً الدعم الكبير من جانب القيادة السياسية للمشروع، الذي اعتبره طفرة علمية كبرى ستُضاف إلى إنجازات مصر في مجال البحوث الطبية والوراثية، فضلاً عن مواكبة «الجينوم» التوجه العالمي لدراسة التركيبة الجينية، وخاصة الجينات المرتبطة بالأمراض الخطيرة مثل الأورام، مؤكداً أن الفريق البحثي يعمل على هذا المحور بدقة وعناية فائقة، بالتعاون مع كليات الطب والمراكز البحثية في جميع أنحاء الجمهورية.
وقال الدكتور عادل عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، إن أهمية المشروع التي يمثلها مشروع الجينوم المصري تكمن في مستوى التميز الرياضي وامتداد هذه الأهمية إلى البعد الصحي والوقائي، فكلما تم تحليل جينات أبناء الشعب المصري، أتيحت الفرصة لتطوير برامج الصحة العامة، بما يسهم في تقليل معدلات الإصابة بالأمراض. وأضاف «عبدالغفار»: «المشروع جاء تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، فالدولة المصرية تقوم على العلم كونه أساس النهضة، فالإنسان هو محور التنمية، ودعم الدولة الكامل لهذا المشروع العلمي الوطني، ينطلق من إيمان راسخ بأن إعداد الإنسان يبدأ من فهمه جينياً، صحياً، وذهنياً، وصولاً إلى إطلاق طاقاته». وأوضح «عبدالغفار» أن المشروع يُعد الأول من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط، وهو يمثل نقلة نوعية في تاريخ البحث العلمي والطب في مصر، مشيراً إلى أن المشروع يمثل التزام الدولة بدعم البحث العلمي والابتكار كإحدى ركائز رؤية مصر 2030، تماشياً مع التحول نحو الاقتصاد المعرفي وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. وأضاف: «تم بدء العمل في المشروع منذ عام 2021، تحت إشراف وزارة التعليم العالي وأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، ضمن فريق عمل من تحالف يضم 15 جامعة ومركز أبحاث ومنظمات غير حكومية تابعة لأربع وزارات ومؤسسات المجتمع المدني، والجهة المنفذة هي مركز البحوث الطبية والطب التجديدي»، لافتاً إلى أنه بفضل توجيهات القيادة السياسية ودعمها الكبير لهذا المشروع، أصبحت مصر على أعتاب مرحلة جديدة من الطب الدقيق والعلاج الجيني. وأشار إلى أن المشروع يعتمد على محاور رئيسية، وهي: الجينوم السكاني لوضع خريطة جينية للمصريين، والجينوم المرضى لدراسة الأمراض الشائعة والنادرة، وجينوم قدماء المصريين لفهم التكوين الجيني للحضارة المصرية القديمة، والجينوم الرياضي لتحليل العوامل الوراثية للرياضيين المتميزين.



