كشفت نتائج دراسة علمية حديثة عن نجاح العلماء في اكتشاف العشرات من الفيروسات المختلفة الكامنة في ذرات الغبار المتصاعد والمتراكم داخل المباني. فقد قام باحثون متخصصون من جامعة ولاية أوهايو بجمع عينات عشوائية من الغبار من منشآت ومبانٍ متعددة، شملت مدارس، ومساكن للطلاب الجامعيين، بالإضافة إلى مباني مكاتب العمل، ثم استعانوا بأحدث الأدوات والتقنيات المختبرية المتطورة لتحليل تلك العينات والبحث عما تحويه من فيروسات.
اكتشاف 54 نوعاً مختلفاً من الميكروبات والحشرات
جاءت نتائج الدراسة لتثير القلق، بعد أن كشفت التحاليل عن وجود 54 نوعاً مختلفاً من الميكروبات والحشرات الدقيقة في عينات الغبار الـ 27 التي خضعت للفحص. وشملت هذه القائمة المكتشفة فيروس «SARS-CoV-2» وهو الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19، إلى جانب فيروس الإنفلونزا، وفيروس «نوروفيروس»، بالإضافة إلى فيروس «إبشتاين-بار».
وعقّبت كارين دانميلر، المؤلفة الرئيسية للبحث، على هذه النتائج قائلة: «من الأهمية بمكان فهم آليات تتبع الأمراض وانتشارها في مجتمعنا بشكل عام؛ فبأسلوب يماثل تماماً نظام مراقبة مياه الصرف الصحي الذي يتتبع تجمعات الأوبئة والأمراض على نطاق جغرافي واسع، قمنا نحن بابتكار وتأسيس أداة وسيطة توفر المزايا والفوائد ذاتها ولكن لفئة سكانية أصغر حجماً وتحديداً»، بحسب ما ذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
طرق جمع العينات وتحليلها
وللوصول إلى هذه الحقائق واليقين العلمي، قام الفريق البحثي بجمع 27 عينة غبار من مبانٍ ومنشآت متنوعة تقع في ولاية أوهايو؛ حيث تضمنت هذه العينات 4 عينات تم أخذها من دور للرعاية النهارية، وعينة واحدة من روضة أطفال، وعينتين من مدرسة ابتدائية، وعينتين من مركز ترفيهي، إلى جانب عينة من مساكن جامعية، وعينة أخرى من مكتبة تابعة للجامعة، بالإضافة إلى ست عينات تم جمعها من مباني مكاتب إدارية.
وللحصول على نظرة فاحصة ومستهدفة للفيروسات التي تختبئ في داخل هذا الغبار، اعتمد الباحثون على تطبيق طريقتين مخبريتين؛ تمثلت الأولى في استخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل «PCR» وهي التقنية الشهيرة المستخدمة لتضخيم وعزل أجزاء صغيرة من الحمض النووي، لينتقلوا بعد ذلك إلى استخدام تقنية تسلسل جديدة ومتطورة تختص بالكشف عن جزيئات الحمض النووي الريبي «RNA» التي تخلّفها الفيروسات وراءها بعد تعرضها للتحلل.
انتشار الفيروسات في أماكن رعاية الأطفال
ومن خلال إجراء مقارنة دقيقة بين النتائج الفيروسية التي رُصدت في العينات، ومكتبة مرجعية ضخمة تضم نحو 200 نوع من مسببات الأمراض المحتملة، تمكن الفريق من قياس وتصنيف العديد من الفيروسات المتنوعة في وقت واحد؛ ليسفر هذا الفحص الإجمالي عن رصد 54 فيروساً في العينات. وشرح الباحثون طبيعة المكتشفات موضحين أن الفيروسات التي تم رصدها تضمنت مسببات أمراض تنفسية معروفة على نطاق واسع مثل فيروس «SARS-CoV-2»، وفيروس الإنفلونزا، والفيروس المخلوي التنفسي «RSV»، بجانب مسببات أمراض معوية وفيروسات تصيب الجهاز الهضمي مثل فيروس «نوروفيروس» والفيروس الغدي، فضلاً عن مسببات أمراض أخرى متنوعة مثل فيروس الورم الحليمي البشري، وفيروسات أخرى غير ممرضة مثل فيروس «تورك تينو». كما أظهرت النتائج أن نوعاً واحداً على الأقل من فيروسات الأنف كان موجوداً في ما نسبته 85% من إجمالي العينات المفحوصة.
وعند الالتفات وتحليل المواقع الجغرافية المحددة التي أُخذت منها العينات، رصد الباحثون مستويات متفاوتة وتباينات واضحة في تركيزات الفيروسات؛ إذ تبين أن المرافق المخصصة لرعاية الأطفال تحتوي على مستويات وكثافة أعلى من فيروسات معينة مثل فيروس «MW polyomavirus»، وفيروس «Human cytomegalovirus» المضخم للخلايا البشرية، وفيروس «WU polyomavirus»، وهي فصائل فيروسية معروفة علمياً بارتباطها الوثيق بنشاط وعدوى الأطفال.
هل يمكن للفيروسات نقل العدوى عبر الغبار؟
في المقابل، لم يقم الفريق البحثي بقياس مدى القدرة الفعلية للفيروسات التي جُمعت على البقاء الحيوي أو مواصلة دورتها البيولوجية، ومع ذلك، فإنهم يشيرون إلى أنه من غير المرجح أن تظل تلك الجزيئات الفيروسية المتبقية في الغبار قادرة على نقل العدوى، حيث يعتمد هذا الأمر بشكل رئيسي على نوع الفيروس وطبيعته.
وبشكل عام، فإن مجمل النتائج تشير بقوة إلى أن الغبار قد يمثل وسيلة علمية وأداة بيئية مفيدة للغاية لمراقبة المباني والمنشآت والتنبؤ بتفشي الفيروسات في المستقبل. حيث علق الدكتور دانميلر خاتماً بقوله: «إن أبحاثاً من هذا القبيل تُعد مفيدة ومهمة لمراقبة وإدارة مجموعة من المباني التي تشهد تداخلاً وتنوعاً في الأمور التي تثير قلقك الصحي، وباستخدام تلك المعلومات للمساعدة في تشخيص وتحديد المشكلات، يصبح من الممكن تحسين وتطوير قراراتنا المتعلقة بتوجيه وتخصيص موارد التخفيف والمكافحة المحدودة المتاحة لدينا».



