أكدت الدكتورة إيمان علي، محاضر الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن انتشار ما يُسمى بـ«الرفقاء الرقميين» يعيد تشكيل مفهوم الارتباط العاطفي، ويدلل على أن بعض أنماط التفاعل معهم قد تعزز الانغلاق بدلاً من الانفتاح الاجتماعي. وأوضحت أن المستخدم للذكاء الاصطناعي قد يتوهم أن لديه «رفيقاً» يفهمه، بينما هو في الحقيقة يتعامل مع نظام يجيب بطريقة محسوبة وليست إنسانية.
تأثير الشات بوت والذكاء الاصطناعي على الفرد والأسرة
أشارت إيمان علي إلى أن الشات بوت والذكاء الاصطناعي ليسا خطراً مطلقاً ولا خيراً مطلقاً؛ فهما أداتان قويتان تتحدد فائدتهما أو ضررهما بطريقة الاستخدام ودرجة وعي الفرد وحدود الاعتماد عليهما. وتظهر تقارير وتحليلات حديثة أن هذه الأدوات قد تمنح بعض المستخدمين دعماً نفسياً أو سهولة في الوصول إلى المعلومات، لكنها في الوقت نفسه قد ترتبط بالاعتماد العاطفي وتراجع التفاعل الإنساني وازدياد المخاطر لدى الفئات الأكثر هشاشة نفسياً واجتماعياً.
المخاطر الاجتماعية للاعتماد على الرفقاء الرقميين
من الناحية الاجتماعية، تكمن الخطورة الأكبر في أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول من وسيلة مساعدة إلى بديل مزيف للعلاقة الإنسانية. حين يبدأ الفرد في تفضيل المحادثة مع الشات بوت على الحديث مع الأسرة أو الأصدقاء، يصبح عرضة للعزلة التدريجية، لأن العلاقة مع الآلة سهلة وغير متعبة ولا تتطلب مجهوداً اجتماعياً، لكنها أيضاً لا تبني مهارات التواصل الحقيقي ولا تعلم الإنسان كيف يختلف ويتحاور ويتحمل الآخرين. وأشارت تحليلات حديثة إلى أن انتشار الرفقاء الرقميين يعيد تشكيل مفهوم الارتباط العاطفي، وأن بعض أنماط التفاعل معهم قد يعزز الانغلاق بدل الانفتاح الاجتماعي.
متى تزداد خطورة استخدام الشات بوت؟
تزداد الخطورة عندما يستخدم الفرد الشات بوت للحصول على إجابات في أمور حساسة جداً بدل الرجوع إلى أشخاص موثوقين أو مختصين. في هذه الحالة قد يتوهم المستخدم أن لديه «رفيقاً» يفهمه، بينما هو في الحقيقة يتعامل مع نظام يجيب بطريقة محسوبة وليست إنسانية. هذا الوهم قد يضعف الثقة في العلاقات الواقعية، أو يجعل الشخص أقل صبراً مع الناس، لأن الإنسان الحقيقي يخطئ ويعترض ويحتاج وقتاً، بينما الآلة تجيب بسرعة وبلغة مريحة. ومن هنا تنشأ فجوة اجتماعية بين العالم الواقعي والعالم الرقمي.
المخاطر النفسية للاعتماد على الذكاء الاصطناعي
نفسياً، الأثر أكثر تعقيداً، فبعض الأشخاص قد يشعرون بالراحة لأن الشات بوت يوفر لهم مساحة آمنة للكلام دون خوف من الحكم أو السخرية، وهذا قد يكون مفيداً مؤقتاً لمن يعاني من الخجل أو القلق الاجتماعي أو ضغط الحياة. لكن هذا الارتياح قد يتحول إلى اعتماد، ثم إلى تعلق، ثم إلى هروب من مواجهة الواقع. وقد حذرت أبحاث حديثة من أن بعض المستخدمين، خاصة من لديهم هشاشة نفسية أو اضطرابات سابقة، قد يتأثرون سلباً عبر تضخيم الأوهام أو تعزيز التفكير غير الواقعي أو زيادة الميل للعزلة.
كما أن المشكلة النفسية لا تتوقف عند المحتوى فقط، بل تمتد إلى العلاقة، حين يتحدث المستخدم مع نظام يبدو متفهماً دائماً، قد يظن أنه يحصل على احتواء حقيقي، بينما هو يتلقى استجابات مصممة لتبدو مطمئنة. وقد وجدت دراسات أن بعض الناس يشعرون بأن الشات بوت أكثر حكماً وأقل قدرة على الفهم العميق أو التحقق العاطفي مما كانوا يتوقعون، وهذا قد يسبب خيبة أو نفوراً لدى من يلجأون إليه في لحظات ضعف نفسي.
هل الحظر هو الحل؟
أكدت إيمان علي أن سلبيات هذه الأدوات لا تعني تركها كلياً، لأن ذلك سيكون تجاهلاً لفوائدها الكبيرة في التعليم والتنظيم والإنتاج وتسهيل الوصول للمعلومة. الأصح هو وضع ضوابط واضحة، مثل عدم الاعتماد عليها في القرارات المصيرية، وعدم استخدامها كبديل عن الطبيب النفسي أو المستشار الأسري، والوعي بأنها أداة مساعدة وليست صاحب خبرة إنسانية كاملة. كما أن الأبحاث الحديثة تشدد على ضرورة وجود أطر تنظيمية وتدخلات منسقة بين المطورين والجهات الصحية والرقابية، خاصة مع الحالات التي يظهر فيها تعلق أو سلوك غير واقعي مرتبط بالمحادثات مع الذكاء الاصطناعي.
دور الأسرة في مواجهة هذا التحدي
دور الأسرة أساسي جداً، لأن الأسرة هي الجهة الأولى التي تلاحظ تغير السلوك قبل أن يتحول إلى مشكلة كبيرة. إذا انغلق الابن أو الابنة على الهاتف لساعات طويلة، أو بدأ يفضل الحديث مع الشات بوت على الحديث مع أهله، أو صار أكثر عزلة وانزعاجاً من الناس، فهذه إشارات تحتاج إلى احتواء لا إلى صدام. المطلوب ليس المنع الحاد فقط، بل بناء وعي هادئ داخل البيت يشرح أن التكنولوجيا مفيدة لكنها لا تغني عن العلاقات البشرية.
ينبغي للأسرة أن تضع قواعد استخدام واقعية، مثل أوقات خالية من الأجهزة أثناء الأكل أو قبل النوم، وتشجيع النقاش العائلي، ومراقبة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء بحسب العمر، وتدريبهم على سؤال بسيط لكنه مهم: هل هذه الأداة تساعدني فعلاً، أم تجعلني أبتعد عن الناس؟ فالدراسات والمقالات المتخصصة تنصح بأن تكون الأسرة شريكة في تنظيم الاستخدام، لا مجرد جهة عقابية، لأن التوجيه المتفهم ينجح أكثر من المنع الغاضب.
هل الذكاء الاصطناعي رفيق جيد؟
الإجابة الدقيقة هي: نعم، بشرط، ولا، إذا صار بديلاً. هو رفيق جيد عندما يساعد على التعلم وتنظيم الأفكار وتبسيط المعلومات وتحرير الوقت ودعم بعض المهام اليومية. وقد يكون مفيداً أيضاً في اللحظات العادية أو عند الحاجة إلى مساعدة أولية سريعة، خاصة إذا كان المستخدم واعياً وحدوده واضحة. لكنه لا يكون رفيقاً كاملاً لأن الصداقة الحقيقية لا تقوم فقط على الإجابة السريعة، بل على الذاكرة الحية والتعاطف الإنساني وتحمل الخطأ والمشاركة المتبادلة والقدرة على أن يقول لك الآخر أحياناً ما لا تريد سماعه لكنه ينفعك. الآلة قد تشبه الصديق في اللغة، لكنها لا تشبهه في الوجود. لهذا فهو رفيق مفيد وحذر، وليس رفيقاً بديلاً عن الإنسان.
الخلاصة: تداعيات الذكاء الاصطناعي
الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الطريقة التي يُمنح بها مكانة أكبر من اللازم في الحياة اليومية. إذا استُخدم كأداة للتعلم والتيسير بقي نافعاً، وإذا سُمح له بأن يملأ فراغ العاطفة والعزلة فقد يتحول إلى سبب إضافي للوحدة والاضطراب. لذلك فالمطلوب ليس الخوف منه، بل الفهم والضبط والتربية الرقمية الواعية، لأن الإنسان حين يحسن استخدام التقنية يربح، وحين يسلم لها زمام حياته يخسر جزءاً من إنسانيته.



