لم تعد أزمة المياه في مصر مجرد أرقام تُعلن في المؤتمرات الرسمية أو تحذيرات تتكرر في التقارير الدولية، بل أصبحت تحدياً يومياً يفرض نفسه على كل شيء تقريباً، من الغذاء الذي يصل إلى موائد المصريين، وصولاً إلى مستقبل الزراعة نفسها. في بلد يزداد عدد سكانه بوتيرة سريعة، أعلنت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل نحو 1.3 مليون مولود خلال عام 2025، وهي زيادة رغم تراجعها عن أعوام سابقة، لكنها تظل تترجم في صورة طلب أكبر على المياه، سواء للشرب أو الغذاء أو السكن ومختلف الخدمات الأساسية.
لكن التحدي الأكبر يظهر في القطاع الزراعي المصري، الذي يستهلك وحده أكثر من 46 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وفق رسم بياني صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2024، في وقت تبلغ فيه الموارد المائية المصرية نحو 65 مليار متر مكعب سنوياً كموارد ثابتة، بحسب ما أعلنه مؤخراً وزير الموارد المائية والري الدكتور هاني سويلم، بينما تصل الفجوة المائية إلى نحو 23 مليار متر مكعب يتم تعويضها عبر إعادة التدوير وإعادة استخدام المياه.
وسط هذه المعادلة الصعبة، لم يعد البحث عن حلول تقليدية كافياً، وهو ما دفع مفوضية الاتحاد الأوروبي في مصر إلى التعاون مع جهات بحثية وجامعات مصرية للاتجاه نحو أفكار جديدة تحاول إنتاج زراعة أكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للمياه. ومن هنا بدأت شراكة جمعت مشروع Mara-Mediterra Project بالجامعة المصرية الصينية بالقاهرة، ضمن آلية التمويل PRIMA التابعة للاتحاد الأوروبي، الذي يعمل مع عدد من الشركاء في دول البحر المتوسط لمواجهة تدهور المياه والأراضي الزراعية، من خلال التوسع في تطبيق الحلول القائمة على الطبيعة (Nature-based Solutions).
لم تتوقف الفكرة عند حدود الدراسات النظرية أو الأبحاث المكتبية داخل الحرم الجامعي، بل تحولت إلى تجارب حقيقية ونماذج قابلة للتطبيق لتحسين كفاءة استهلاك المياه في الأنشطة الزراعية. يقول الدكتور علاء الدين عابدين، مدير مركز البحوث والابتكار وريادة الأعمال بالجامعة، إن الهدف من التعاون مع الاتحاد الأوروبي من خلال مشروع Mara-Mediterra Project هو تطبيق الحلول المستوحاة من الطبيعة (Nature-Based Solutions) لتحسين إدارة المياه والأراضي الزراعية في منطقة البحر المتوسط، خاصة في المناطق التي تعاني من ملوحة التربة ونقص المياه.
ويضيف أن الجامعة، برئاسة الدكتورة رشا الخولي، تتبنى توجهًا واضحًا لدعم الابتكار الزراعي وتوطين التكنولوجيا؛ ولذلك بدأت العمل على تطوير أنظمة الزراعة الذكية والمستدامة، ومن بينها مشروع إنشاء صوبة زراعية ذكية بنظام “الأكوابونيك”. داخل هذه الصوبة، تتحرك المياه في دائرة مغلقة لا تعرف الفاقد، وتعمل كسبب للحياة للأسماك داخل الأحواض المائية، ونباتات تنمو في اتجاه رأسي، بينما تتحول مخلفات الأسماك إلى مصدر طبيعي لتغذية النباتات، لتقوم النباتات بدورها بتنقية المياه وإعادتها مرة أخرى إلى الأحواض السمكية.
يشير عابدين إلى أن الفكرة تبدو بسيطة، لكنها عملياً تعني تقليل استهلاك المياه والأسمدة الكيميائية بصورة كبيرة، عبر نظام يعيد استخدام المياه بشكل مستمر داخل دورة بيئية متكاملة. ولفت إلى أن المشروع لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أدخلت الجامعة أنظمة تشغيل وتحكم آلي تشمل التحكم في الري، ومراقبة جودة المياه، والتغذية الآلية للأسماك، إلى جانب استخدام تقنيات الزراعة الرأسية وأنظمة الزراعة المائية المختلفة. ويقول عابدين إن هذه المشروعات تعكس توجه الجامعة نحو التحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد الزراعية والمائية، اعتماداً على الخبرات العلمية داخل كليات الجامعة المختلفة.
قصة التعاون بين الاتحاد الأوروبي والجامعة المصرية الصينية لم تبق داخل أسوار الجامعة فقط. في محافظة كفر الشيخ، انتقل فريق الجامعة إلى الأرض مباشرة، حيث نفذت زيارات ميدانية وورش عمل مع المزارعين لفهم التحديات الزراعية والمائية التي يواجهونها على أرض الواقع، والعمل على تقديم حلول عملية ومستدامة يمكن تطبيقها بسهولة. وشملت الحلول استخدام السماد الأخضر، ومحاصيل الغطاء، والكمبوست، والجبس الزراعي، والزراعة بالأحواض، والغطاء العضوي، بالإضافة إلى تقنيات الحراثة المحافظة على التربة.
وبحسب عابدين، أظهرت نتائج التطبيق الميداني تحسناً في جودة التربة، وانخفاض تأثير الملوحة، وارتفاع إنتاجية المحاصيل الزراعية، إلى جانب زيادة وعي المزارعين بأهمية استخدام التقنيات الزراعية الحديثة بدلاً من الطرق التقليدية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على كفاءة استخدام المياه. وللتأكد من فعالية هذه الحلول، أوضح عابدين أن المشروع اعتمد على تجارب ميدانية صغيرة النطاق، بالإضافة إلى اختبار مرافق تجريبية للأكوابونيك والأراضي الرطبة، فيما قام المشاركون في المعامل الحية (Living Labs) بإعداد خطط عمل باستخدام نظم المعلومات الجغرافية التشاركية (Participatory GIS).
وأشار إلى أن هذه الأداة الداعمة لاتخاذ القرار ساعدت في تطبيق أفضل ممارسات الحوكمة الرشيدة، كما أسهمت في تطوير أداة ديناميكية لتخصيص وإدارة المياه، إلى جانب أداة تشخيصية ثالثة تساعد في إجراء تقييم كمي للفوائد البيئية والاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن خطط العمل المقترحة.



