في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى قطاع لا يقل خطورة عن الطاقة أو التجارة العالمية، وهو الأمن الدوائي. فمع اعتماد معظم دول العالم على سلاسل إمداد معقدة وعابرة للحدود، يحذر خبراء من أن أي تعطل طويل في حركة الشحن قد يفتح الباب أمام أزمة دوائية عالمية تمس ملايين المرضى.
تحذير خبير دوائي: مخزون الأدوية لا يتجاوز أشهرًا
أكد الدكتور محمد توفيق، الباحث والخبير في سوق دواء الرعاية الصحية، أن المخزون الاستراتيجي للأدوية في كثير من الدول لا يتجاوز بضعة أشهر، خاصة فيما يتعلق بالأدوية الحيوية مثل الإنسولين وعلاجات الأورام وأدوية الطوارئ، وهي أدوية لا تحتمل انقطاعًا أو تأخيرًا في الإمداد.
وأوضح توفيق، خلال مداخلة مع الإعلامية أمل الحناوي ببرنامج «عن قرب مع أمل الحناوي» على قناة «القاهرة الإخبارية»، أن الأدوية الأكثر حساسية في مثل هذه الأزمات تشمل الإنسولين وأدوية الأورام وأدوية الطوارئ وغيرها من العلاجات المرتبطة بالحياة اليومية للمرضى. وأضاف أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب النقل والشحن، بل تمتد إلى نقص المواد الخام والمواد الفعالة «API» المستخدمة في تصنيع الأدوية، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على سلاسل إنتاج الدواء عالميًا.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على الدول ذات الاقتصادات الضعيفة بل تمتد أيضًا إلى الدول المتقدمة، مؤكدًا أن الترابط العالمي في صناعة الدواء يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أزمة عالمية تؤثر على مختلف الأسواق.
توطين صناعة الدواء: ضرورة استراتيجية
في المقابل، تعود الدعوات مجددًا إلى ضرورة توطين صناعة الدواء، وهي الفكرة التي برزت بقوة عقب جائحة كوفيد-19، بعدما كشفت هشاشة الاعتماد الكامل على الاستيراد. ويرى خبراء أن امتلاك بنية تحتية علمية وصناعية متطورة أصبح جزءًا من الأمن القومي للدول، وليس مجرد خيار اقتصادي.
تحدث علي فطوم، أستاذ علم المناعة واللقاحات، عن الاعتماد على الأدوية المستوردة وما إذا أصبحت نقطة ضعف استراتيجية، ودور مبادرات توطين صناعة الأدوية في تشكيل حل للأزمات المستقبلية. وقال خلال مداخلة في برنامج «عن قرب مع أمل الحناوي»: «هذه المشكلة بانت أهميتها في قضية كورونا، حيث كانت هناك عملية أولويات لإعطاء التطعيمات المختلفة، وبالتالي، فإن الدول التي لم تستطع أن تأخذ أو تستنتج الدروس من هذه التجربة ستقع في المشكلة نفسها».
وتابع: «والشيء الإيجابي الذي خرجنا به من قضية كورونا هو أن هناك تفكيرًا في نقل وتوطين الإنتاج في الدول المختلفة، لكن لكي يكون لدينا إنتاج، يجب أن تتوافر لدينا مقومات معينة، أهمها المقومات الإنسانية أو القدرات البشرية، من وجود علماء وأبحاث وأجهزة وكهرباء».
وواصل: «فليست كل الدول قادرة على إنتاج هذه الأدوية أو اللقاحات أو أي نوع من العلاجات، إذ توجد شروط أساسية يجب أن تتوافر، كما أن هناك قدرات يجب أن تكون موجودة في هذا المكان، وأن تكون هناك دول كثيرة قادرة على القيام بذلك».
واستكمل: «وجزء من هذا تحقق في مصر والجزائر والأردن، فهذه الدول كانت لديها القدرة والبنية التحتية والبنية البشرية التي تمكّنها من القيام بهذا الدور، والسؤال هنا إلى أي مدى تستطيع هذه الدول أن توظف في مثل هذه الجهود؟ وهل تعد هذه الجهود أولوية أم لا؟ هذه القضية تخرج من الإطار التقني إلى الموقف السياسي ودور المؤسسات أو الدول أو الحكومات، بما يضمن مستقبل هذه الدول والشعوب».
وأكد أستاذ علم المناعة واللقاحات أن القضية الأساسية موجودة، وهناك إمكانية لنقل هذه التقنيات، وجزء كبير منها يمكن أن ينتقل خارج إطار الملكية الفكرية، ومنها ما انتقل إلى الهند.
وبين تحذيرات نقص الإمدادات، وتحديات نقل التكنولوجيا والملكية الفكرية، يطرح التصعيد في مضيق هرمز سؤالًا ملحًا: هل العالم مستعد فعلًا لمواجهة أزمة دوائية عالمية جديدة؟



