عزبة عقيل بأسيوط.. واحة المحبة تجمع 17 عائلة على مائدة رمضانية واحدة منذ 40 عامًا
عزبة عقيل بأسيوط.. 17 عائلة على مائدة رمضانية واحدة (17.03.2026)

عزبة عقيل بأسيوط.. واحة المحبة تجمع 17 عائلة على مائدة رمضانية واحدة

في قلب الريف المصري، وعلى ضفاف نهر النيل جنوب مركز البداري بمحافظة أسيوط، تبرز عزبة عقيل كواحة صغيرة من المحبة والتعاون بين أهلها. فهي ليست مجرد تجمع سكني، بل مجتمع متماسك يضرب المثل في الترابط الأسري والاجتماعي منذ أكثر من أربعة عقود، حيث تجتمع سبعة عشر عائلة حول مائدة واحدة في رمضان، في عادة أصيلة تعرف بين الأهالي بـ«كل بيت صينية».

حكاية بدأت منذ 40 عامًا

يروي الدكتور إسماعيل فهمي أبو عقيل، شيخ القرية البالغ من العمر 85 عامًا، أن هذه العادة بدأت منذ أكثر من أربعين عامًا على يد عمه المرحوم الحاج إسماعيل عقيل، شيخ البلد الذي قاد القرية لأكثر من سبعين عامًا. إذ كان الهدف منها تعزيز الروابط بين العائلات، لتصبح المائدة الرمضانية رمزًا للوحدة والتكاتف.

ويضيف الدكتور عقيل إسماعيل عقيل، منسق الشركات لدى التحالف العربي للاستدامة، أن الفكرة لم تكن مجرد دعوة لتناول الطعام، بل مشروع اجتماعي متكامل يقوم على المشاركة والتعاون. حيث يضع كل بيت صنية من الطعام، لتجتمع العائلات في ساحة المسجد الوحيد بالقرية، في مشهد يختصر معنى الألفة والترابط.

مهرجان الألفة والبهجة

مع حلول شهر رمضان، تتحول ليالي عزبة عقيل إلى مهرجان من الألفة، حيث سهرة واحدة أمام المسجد تجمع الكبار والصغار. يتبادلون الأحاديث، يتشاركون الطعام، ويحيون ليالي الإيمان والبهجة. هذه السهرة الرمضانية ليست مجرد عادة، بل هي رمز لوحدة المجتمع وتماسكه.

ويحكي الأهالي أن الشيخ سيد حريرة، القادم من قرية موشا بأسيوط، يحيي ليالي رمضان في العزبة منذ 38 عامًا متواصلة، بالإنشاد الديني والقرآن الكريم والخطب. ليصبح جزءًا من ذاكرة القرية ووجدانها، ومن شدة تعلقه بأهلها، تزوج مرتين من داخل العزبة، ليؤكد أن أهلها أهل كرم وجود.

تماسك المجتمع رغم البساطة

رغم بساطة الإمكانيات، فإن عزبة عقيل استطاعت أن تحافظ على تماسكها بمسجد واحد يجمعهم للصلاة، مدرسة واحدة يتعلم فيها أبناؤهم، وفرح واحد يشارك فيه الجميع، وحزن واحد يتقاسمه الجميع. هذه التفاصيل الصغيرة صنعت مجتمعًا كبيرًا في قيمه، قائماً على المودة والاحترام المتبادل، حيث لا توجد فوارق بين العائلات، وكلهم يعيشون بروح واحدة وكأنهم أسرة كبيرة.

شهادات من أبناء القرية

يقول هاني عقيل، عضو لجنة المصالحات، إن المسجد هو قلب القرية النابض، حيث تُطرح القضايا العامة وتُحل الخلافات بروح من التسامح والتعاون، ليبقى المجتمع متماسكًا بعيدًا عن النزاعات.

ويضيف الشيخ سيد أحمد أبو العلا أن ارتباطه بالقرية لم يكن مجرد عمل، بل حب حقيقي لأهلها، وهو ما دفعه للاستمرار في إحياء ليالي رمضان هناك لعقود طويلة. معتبرًا أن عزبة عقيل مثال حي على قوة الروابط الإنسانية والترابط المجتمعي.

تراث اجتماعي يُحتذى به

عزبة عقيل ليست مجرد مكان على الخريطة، بل قصة عن مجتمع صغير استطاع أن يحافظ على ترابطه رغم بساطة الإمكانيات. فهي تضرب المثل الأروع للترابط المجتمعي في الريف المصري، وتقدم نموذجًا يُحتذى به في المحبة والتعاون.

إنها قصة عن سبعة عشر عائلة، لكنها في الحقيقة قصة عن أسرة واحدة كبيرة، اجتمعت على مائدة واحدة، لتثبت أن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد أفراده أو حجم إمكانياته، بل بقدرته على الحفاظ على قيمه وعاداته وتقاليده. حيث تبقى هذه العادة الرمضانية شاهدًا على أصالة الترابط في عزبة عقيل بأسيوط.