عيد الأم: احتفاء بالحنان الأبدي وتكريم للعطاء الذي لا ينضب
الأم.. تلك الكلمة التي تحتوي العالم بأسره في نبضة قلب واحدة، وتختصر معاني الرحمة في وجهٍ واحد، وتمنح للحياة طعمها الأول ودفئها الأخير. في عيد الأم، لا نحتفل بيومٍ عابرٍ فحسب، بل نحتفي بعمرٍ كامل من العطاء الصامت، بصبرٍ لا ينفد، وبحبٍ لا يعرف الحساب أو الحدود.
الأم في الوجدان الفني المصري
في وجدان المصريين، ارتبط عيد الأم بصوت الفن قبل أن يُكتَب بالحروف؛ فحين تغنّي فايزة أحمد رائعة ست الحبايب، تتوقف الكلمات عند حافة الدموع، وكأن الأغنية قد تحولت إلى نشيدٍ رسمي للحنان والعطف. وحين يصدح صوت محمد عبد الوهاب بألحانه الخالدة، أو يهمس عبد الحليم حافظ في أغانيه التي لامست وجدان الأسرة المصرية، ندرك أن الفن لم يكن يومًا بعيدًا عن تقديس الأم، بل كان أحد أبرز تجلياته وأصدقها.
وكذلك حين تغني شادية للأم بحنانٍ صادق، تصبح الأغنية رسالة وفاءٍ تتجدد مع كل عام، مؤكدة أن الأم هي المصدر الأول للإلهام في الثقافة الشعبية.
الأم في الشرائع السماوية والإسلام
غير أن تكريم الأم ليس بدعة حديثة أو تقليدًا مستوردًا، بل هو أصلٌ راسخ في الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الإسلام؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الإسراء: 23)، ويقول أيضًا: "وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا" (العنكبوت: 8).
وفي السنة النبوية، تتجلّى منزلة الأم بأبلغ بيان، حين سأل رجلٌ رسول الله ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أمك"، قال ثم من؟ قال: "أبوك". وفي حديث آخر: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهو تعبيرٌ بليغ عن عِظَم قدرها ورفعة منزلتها في الدين الإسلامي.
تاريخ عيد الأم: من الولايات المتحدة إلى مصر
أما عن عيد الأم كاحتفالٍ عالمي، فقد بدأت جذوره الحديثة في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين، حين سعت الناشطة آنا جارفيس إلى تخصيص يومٍ لتكريم الأمهات، حتى تم اعتماده رسميًا عام 1914، ثم انتقل تدريجيًا إلى دول العالم المختلفة، كلٌّ بطابعه الخاص وثقافته المميزة.
وفي مصر، يعود الفضل في إحياء هذه المناسبة إلى الشقيقين الصحفيين مصطفى أمين وعلي أمين، مؤسسي صحيفة أخبار اليوم، حيث طرحا الفكرة في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن عرضت عليهما قصة أمٍّ أفنت عمرها في تربية أبنائها ثم تُركت وحيدة. ومن هنا، أطلقا دعوة لتخصيص يومٍ للأم، فلاقى الاقتراح قبولًا واسعًا حتى صار يوم 21 مارس عيدًا رسميًا للأم في مصر والعالم العربي، يحمل في طياته قيم التقدير والوفاء.
كيف نرد جميل الأم؟ أفعال بسيطة لكنها عميقة
لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا نفعل لردّ جميل الأم؟ الحقيقة أن رد الجميل مستحيلٌ بمعناه الكامل؛ فالأم لا تُكافَأ، لأنها تعطي بلا انتظار أو مقابل. ومع ذلك، يمكننا أن نقترب من الوفاء عبر أفعالٍ بسيطة لكنها عميقة:
- أن نبرّها في حياتها، لا في يوم عيدها فقط.
- أن نصغي إليها باهتمام، ونحتمل ضعفها كما احتملت ضعفنا في الصغر.
- أن نُدخل السرور إلى قلبها بكلمة طيبة، أو زيارة صادقة، أو اهتمامٍ حقيقي بمشاعرها.
- أن ندعو لها في كل حين، أحياءً كانت أو في ذمة الله، لأن الدعاء خير عطاء.
عيد الأم ليس مناسبة لشراء الهدايا بقدر ما هو اختبارٌ لصدق المشاعر؛ فكم من أمٍّ لا تريد من الدنيا إلا أن ترى أبناءها بخير، وأن تشعر بأنها ما زالت تسكن قلوبهم كما كانوا يسكنون قلبها منذ البداية.
خاتمة: الاعتراف بعظمة الأم
في النهاية، يبقى الاعتراف الأكبر: كل الكلمات تقف عاجزة أمام كلمة "أمي"، وكل المعاني تنحني احترامًا لهذا الكائن الذي علّمنا كيف نحب قبل أن نتعلم كيف نتكلم. فطوبى لكل أمٍّ، وطوبى لكل من عرف قدرها قبل أن يفقدها، فبعض النِّعم لا يُدرك عظمتها إلا حين تغيب.. وحينها، لا ينفع الندم أو التأسف.
رحمة الله عليك يا أمي، فقد كنت بحق مدرسة في التربية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية الناجحة، والأسرة المتماسكة المتحابة، والمجتمع الناجح. فأنتِ السر في كل خيرٍ وجمال.



