الأب.. الحصن الصامت الذي يمنح الأمان ويؤجل ذاته من أجل أسرته
الأب.. الحصن الصامت الذي يمنح الأمان ويؤجل ذاته

الأب.. الحصن الصامت الذي يمنح الأمان ويؤجل ذاته من أجل أسرته

لا يبدأ دور الأب في اليوم الذي يُنادى فيه باسمه داخل البيت، بل في اللحظة التي يقرر فيها تأجيل ذاته كي تتقدم أسرته. فالأب لا يعيش حياته بالمعنى الكامل؛ إنه يستهلكها ليصنع حياةً لغيره، ممنحًا أبناءه أول ما يمنحهم شعورًا خفيًا بأن العالم قابلٌ للاحتمال، وأن الغد ـ مهما كان مجهولًاـ لن يكون مخيفًا تمامًا، لأن هناك من يقف في الخلف يحرس الطريق.

الأم تمنح الدفء والأب يمنح الثبات

بينما تمنح الأم الدفء والعاطفة، يمنح الأب الثبات والاستقرار. وجوده في وعي الأبناء يصنع لديهم يقينًا غير مرئي بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة. لذلك، يخاف الطفل من عقاب أبيه، لكنه يلجأ إليه عند الخطر ذاته؛ فهو مصدر الهيبة ومصدر الطمأنينة معًا. وقد قال الحكماء قديمًا: الأب أمان الدار، فإذا غاب ضاع جدارها وإن بقي سقفها. فالبيوت قد تبقى قائمة بعده، لكن الإحساس بالحماية يتصدّع ويضعف.

الاستقرار ليس مالًا ولا جدرانًا بل رجل يؤجل رغباته

الاستقرار الذي يشعر به الأبناء ليس مالًا ولا جدرانًا، بل هو رجل يؤجل رغباته بصمت ودون تذمر. تمر السنوات وهو لا يسأل: ماذا أريد؟ بل يتساءل: ماذا يحتاجون؟ تتوزع حياته بين الفواتير والمسؤوليات وخوف الغد، بينما يكتفي بعبارة قصيرة: “الحمد لله”. وقد قال بعض السلف: يعمل الرجل لنفسه حتى يولد له ولد، فإذا ولد له ولد عمل لولده. عندها يتحول العمر من سيرة فردية إلى رسالة نبيلة تهدف إلى رعاية الأسرة.

الصمت ليس قسوة بل شكل من أشكال الرحمة الثقيلة

ومع ذلك، يبقى الأب أكثر أفراد الأسرة صمتًا، وأقلهم حديثًا عن تعبه وإرهاقه. لا يشرح خوفه حتى لا يورّثه لأبنائه، ولا يشتكي حتى لا يضعف البيت أو يهز استقراره. فيظن الأبناء أن هذا الصمت قسوة أو جفاء، بينما هو في الحقيقة شكلٌ من أشكال الرحمة الثقيلة. وقيل في الأثر: برّ الوالدين دين مؤجّل لا يفهمه الابن حتى يصير أبًا؛ حينها فقط يدرك كم كان ذلك الصمت حمايةً لا جفاء، وتضحيةً لا إهمالًا.

قيمة الأب تُرى غالبًا بعد غيابه

لكن المأساة الحقيقية أن قيمة الأب تُرى غالبًا بعد غيابه أو بعده. عند أول قرار كبير يُتخذ بلا مشورته، وأول نجاح يُحقق بلا عينٍ مطمئنة تراقبه، وأول خوف يواجهه الابن بلا كتفٍ قوي يحتمله. لذلك قيل: من مات أبوه فقد انكسر ظهره وإن كان قويًا. هذه ليست دعوةً للعاطفة العابرة أو المشاعر المؤقتة، بل هي دعوة لردّ الاعتبار لمعنى يُنسى في زحام الحياة وضغوطها اليومية.

الأب لا ينتظر خطابات طويلة بل شعورًا بسيطًا بالتقدير

الأب لا ينتظر خطابات طويلة أو عبارات معقدة، يكفيه شعور بسيط أنه لم يعش عبثًا.. وأن تعبه وتحملاته تحوّلت إلى أمانٍ دائم في قلوب أبنائه. إنها لمسة وفاء وإجلال لكل أبٍ عاش عمره جدارًا حاميًا.. بينما لم ينتبه أحد أنه كان البيت كله، الأساس والسقف والملجأ. فدور الأب يتجاوز التسميات ليصبح رمزًا للتضحية والصمود في وجه تحديات الحياة.