مخاطر قلة شرب الماء على البشرة في رمضان: جفاف صامت يسرق النضارة
مع ساعات الصيام الطويلة خلال شهر رمضان، ينشغل كثيرون بتنظيم وجبات الإفطار والسحور، بينما يُهمَل عنصر أساسي لا يقل أهمية عن الطعام، وهو الماء. ورغم أن الشعور بالعطش قد يكون عابرًا، فإن تأثير قلة شرب الماء يمتد بعمق إلى البشرة، التي تُعد أول مرآة تعكس حالة الجسم الداخلية. فالبشرة ليست مجرد طبقة خارجية، بل عضو حيّ يعتمد على توازن السوائل ليحافظ على حيويته ومرونته.
في هذا التقرير، تستعرض الدكتورة هدى مدحت أخصائية التغذية العلاجية، أبرز مخاطر قلة شرب الماء خلال رمضان على البشرة، وكيف يمكن تجنّبها بخطوات عملية وذكية.
الجفاف… بداية سلسلة المشكلات
عندما تقل كمية الماء في الجسم، تتأثر الدورة الدموية الدقيقة التي تغذي خلايا الجلد. الجفاف لا يعني فقط الإحساس بشدّ الجلد، بل يتسبب في:
- فقدان النضارة الطبيعية.
- ظهور خطوط دقيقة مبكرة.
- زيادة حساسية البشرة تجاه مستحضرات التجميل.
- بطء في تجدد الخلايا.
في رمضان، قد تمرّ ساعات طويلة دون تعويض السوائل، وإذا لم يتم شرب كمية كافية من الماء بين الإفطار والسحور، تدخل البشرة في حالة "جفاف صامت" لا يُلاحَظ فورًا، لكنه يتراكم يومًا بعد يوم.
بهتان اللون وفقدان الإشراقة
تعتمد إشراقة البشرة على وصول الأكسجين والعناصر الغذائية عبر الدم. وعند نقص السوائل، يقل حجم البلازما في الدم، ما يضعف تدفّق المغذيات إلى خلايا الجلد. النتيجة؟ بشرة شاحبة، متعبة، وكأنها تفتقد الحياة.
كثير من النساء يعتقدن أن السبب هو قلة النوم أو الإرهاق فقط، بينما يكون السبب الأساسي هو نقص الترطيب الداخلي. كريمات التفتيح والسيرومات لا تستطيع وحدها تعويض هذا الخلل، لأن المشكلة تبدأ من الداخل.
زيادة إفراز الدهون وظهور الحبوب
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن قلة شرب الماء قد تؤدي إلى زيادة إفراز الدهون، خاصة لدى صاحبات البشرة الدهنية أو المختلطة. فعندما تشعر البشرة بالجفاف، تحاول تعويضه بإنتاج المزيد من الزهم (الدهون الطبيعية)، مما يهيئ بيئة مناسبة لانسداد المسام وظهور الحبوب.
في رمضان، ومع تناول أطعمة دسمة أو حلويات بكثرة، تتضاعف المشكلة. فالجفاف الداخلي مع الدهون الزائدة يشكّلان ثنائيًا مثاليًا لظهور البثور والرؤوس السوداء.
تفاقم الهالات السوداء والتجاعيد الدقيقة
من أبرز المناطق تأثرًا بنقص الماء منطقة تحت العين. الجلد هناك رقيق جدًا، وأي نقص في الترطيب يظهر سريعًا على شكل:
- خطوط دقيقة.
- هالات داكنة أكثر وضوحًا.
- مظهر مجهد.
قلة الماء تجعل الجسم يحتفظ بالسوائل في بعض المناطق، بينما تعاني مناطق أخرى من الجفاف، ما يسبب انتفاخًا أحيانًا تحت العينين، مع اسمرار واضح بسبب ضعف الدورة الدموية الدقيقة.
بطء التئام الجروح وآثار الحبوب
الماء ضروري لعمليات التجدد الخلوي وإصلاح الأنسجة. وعند نقصه، يبطؤ التئام الجروح الصغيرة أو آثار الحبوب. لذلك قد تلاحظ بعض النساء أن آثار البثور تستمر لفترة أطول خلال رمضان مقارنة ببقية العام، خاصة إذا لم يكن هناك اهتمام كافٍ بشرب الماء.
زيادة حساسية البشرة
البشرة الجافة تكون أكثر عرضة للاحمرار والتهيج. ومع تغيّر نمط النوم، والتعرّض للشمس أثناء النهار، واستخدام بعض مستحضرات التجميل، قد تصبح البشرة أكثر حساسية خلال رمضان. قلة الماء تضعف الحاجز الواقي الطبيعي للجلد، ما يسمح للعوامل الخارجية بالتأثير بسهولة أكبر.
تأثير غير مباشر عبر الجهاز الهضمي
قلة شرب الماء قد تؤدي إلى الإمساك، وهو أمر شائع خلال الصيام. وعندما تتباطأ حركة الجهاز الهضمي، تتراكم السموم في الجسم لفترة أطول، مما ينعكس على البشرة في صورة شحوب أو حبوب أو مظهر غير صافٍ. وهنا يظهر الترابط الوثيق بين صحة الأمعاء ونقاء الجلد.
كيف نحمي بشرتنا من هذه المخاطر؟
أضافت الدكتورة هدى، أنه يمكن تجنّب معظم هذه المشكلات باتباع خطوات بسيطة، كالتالي:
- توزيع الماء بذكاء: لا يكفي شرب كوبين عند الإفطار وكوب عند السحور. الأفضل تقسيم 6–8 أكواب على الفترة من الإفطار حتى قبل النوم، مع كوب إضافي في السحور.
- البدء بالماء قبل العصائر: العصائر والمشروبات المحلاة لا تعوّض الماء بنفس الكفاءة، وبعضها قد يزيد من فقدان السوائل بسبب السكر المرتفع.
- تناول أطعمة غنية بالماء: مثل الخيار، الخس، البطيخ، والبرتقال. هذه الأطعمة تدعم الترطيب الداخلي وتزوّد الجسم بمعادن مهمة.
- تقليل الكافيين: القهوة والشاي بكميات كبيرة قد تزيد من فقدان السوائل، لذا يُفضّل الاعتدال فيها.
- دعم الترطيب الخارجي: استخدام مرطب مناسب لنوع البشرة بعد الإفطار وقبل النوم، مع وضع سيروم يحتوي على حمض الهيالورونيك للمساعدة في جذب الماء إلى طبقات الجلد.
- عدم إهمال السحور: فالسحور المتوازن الذي يحتوي على سوائل وبروتين وألياف يساعد على تقليل الشعور بالعطش ويحافظ على توازن الجسم طوال النهار.
الترطيب… مسؤولية داخلية قبل أن يكون تجميلية
وأخيرًا لفتت الدكتورة هدى، إلى أنه لا يمكن لأي منتج تجميلي أن يعوّض نقص الماء داخل الجسم. فالبشرة كائن حيّ يتأثر بكل ما ندخله إلى أجسامنا. خلال رمضان، قد نركّز على الروحانيات وتنظيم الوقت، لكن من المهم أيضًا أن نمنح أجسامنا حقها من العناية.
قلة شرب الماء ليست مجرد شعور بالعطش، بل عامل خفيّ قد يسرق نضارة البشرة تدريجيًا. والاهتمام بالترطيب بين الإفطار والسحور ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على صحة الجلد ومظهره المتوازن.
ومع القليل من الوعي والتنظيم، يمكن أن يمرّ شهر رمضان ببشرة مشرقة، صحية، تعكس صفاء الداخل قبل جمال الخارج.
