علي جمعة يوضح معنى توبة النبي المعصوم والتوبة الصادقة
علي جمعة: توبة النبي ليست عن معصية بل دوام رجوع لله

أوضح الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن مفهوم التوبة في أذهان الناس غالبًا ما يُختزل في معنى محدود، كأنها لا تكون إلا من ذنب مخصوص أو معصية ظاهرة، أو أمر يتعلق بالآخرة وحدها. وأكد أن التوبة أوسع من ذلك بكثير، فهي رجوع إلى الله، ومراجعة للنفس، ونقد ذاتي صادق، ورقابة مستمرة على السلوك والعمل والنية.

التوبة حالة يعيشها المؤمن

وأضاف علي جمعة، في منشور له، أن التوبة ليست مجرد كلمة تُقال باللسان، بل هي حالة يعيشها المؤمن مع نفسه، يراجع بها تقصيره، ويحاسب بها عمله، ويصحح بها طريقه، ويعود بها إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

توبة النبي صلى الله عليه وسلم

وتناول الدكتور علي جمعة موضوع توبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، مشيرًا إلى أنه كان كثير الاستغفار والتوبة، حيث قال: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً». وأوضح أن توبة النبي ليست توبة من معصية، حاشاه، بل هي دوام رجوع إلى الله، وتمام افتقار إليه، وتجديد للصلة به، وتعليم للأمة أن الإنسان لا يستغني عن مراجعة نفسه مهما علا قدره.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

التوبة تقتضي ترك ما لا يرضي الله

وأشار إلى أن التوبة تقتضي أن يترك الإنسان كل حال لا يرضي الله، سواء في علاقته بربه، أو في علاقته بالناس، أو في عمله، أو في حياته العامة. وأوضح أن المؤمن مطالب بأن يكون في كل حال على ما يرضي الله، وأن يسأل نفسه دائمًا: هل أنا في موضع يحبه الله؟ هل عملي يرضيه؟ هل قولي نافع؟ هل معاملتي عادلة؟ هل أدائي أمين؟

الاستعانة بالله في التوبة

وتابع علي جمعة: لا يصل الإنسان إلى هذا المقام بحوله وقوته، وإنما بعون الله وتوفيقه؛ ولذلك كانت كلمة: «لا حول ولا قوة إلا بالله» كنزًا من كنوز الجنة؛ لأنها تُعلّم المؤمن أن يستمد من الله القوة على الطاعة، والعون على ترك المعصية.

الاستغفار والتوبة في القرآن

وأشار إلى أن القرآن جمع بين الاستغفار والتوبة، فقال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [هود: 3]. وذكر أن الاستغفار طلب للمغفرة والعون، والتوبة رجوع عملي إلى الطريق المستقيم. ومن هنا يظهر أن للتوبة أثرًا في الدنيا كما لها أثر في الآخرة؛ فهي سبب لصلاح النفس، واستقامة العمل، وطمأنينة القلب، وحسن العاقبة.

التوبة الصادقة

وأوضح أن التوبة الصادقة لا تقوم على خداع النفس، ولا على تحسين الصورة أمام الناس، وإنما تقوم على الصراحة والشفافية؛ فالمؤمن لا يهرب من عيوبه، ولا يبرر أخطاءه، ولا يخدع نفسه باسم الأعذار، بل يعترف، ويندم، ويعزم، ويبدأ من جديد.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأضاف أن من رحمة الله أن باب التوبة لا يُغلق أمام العبد مهما عظمت ذنوبه، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].

قصة الرجل الذي قتل مائة نفس

وتابع: ولهذا قصّ النبي على أصحابه خبر الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم أراد التوبة، فدلّه العالم على أن باب التوبة مفتوح، وأمره أن يخرج من أرض السوء إلى أرضٍ فيها قوم صالحون يعبدون الله. وفي هذه القصة معنى عظيم: أن التوبة تحتاج إلى علم صحيح، وبيئة صالحة، وصحبة تعين على الاستقامة.

التوبة إصلاح للدنيا والآخرة

واختتم علي جمعة قائلاً: إن التوبة ليست هروبًا من الدنيا إلى الآخرة، بل هي إصلاح للدنيا على نور الآخرة. وليست مجرد ندم عابر، بل بداية وعي جديد، وعمل جديد، وصدق جديد مع الله، ومع النفس، ومع الناس.