أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن كثيرًا من الناس غفلوا عن الدعاء رغم كونه أحد أعظم أبواب العبودية لله سبحانه وتعالى. واستشهد بقول النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثم قرأ قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، مبينًا أن الدعاء ليس مجرد طلب عند الحاجة، بل هو عبادة في ذاته تعبر عن افتقار الإنسان إلى ربه واعترافه بعجزه.
وأضاف جمعة أن الدعاء هو «مخ العبادة» أي لبها وسرها، لكن كثيرًا من الناس يتعاملون معه كأمر عارض لا يلجؤون إليه إلا عند الشدة، مع أنه عبادة في الرخاء والشدة على حد سواء.
آداب وأسرار الدعاء
وأشار إلى أن للدعاء آدابًا وأسرارًا، من حافظ عليها كان أرجى للقبول وأقرب إلى حضور القلب بين يدي الله تعالى. وفيما يلي هذه الأسرار:
السر الأول: الوضوء
الوضوء طهارة ظاهرة لها أثر في تهيئة القلب للدعاء، فهو يهيئ العبد للمناجاة طاهر البدن مستحضرًا طهارة القلب. فالطهارة الظاهرة باب إلى الطهارة الباطنة.
السر الثاني: الصلاة قبل الدعاء
من أسرار الدعاء تقديم عمل صالح قبله، وأعظم الأعمال الصالحة الصلاة. وقد عُرفت في السنة صلاة الحاجة، وكذلك الصدقة والذكر وكل طاعة تقدم بين يدي الدعاء تكون سببًا في رجاء القبول.
السر الثالث: البدء بذكر الله والثناء عليه
أرشد العلماء إلى أن من آداب الدعاء البدء بذكر الله والثناء عليه، كقول: الحمد لله رب العالمين، يا ربنا، يا قوي، يا عزيز. فالثناء قبل الدعاء أدب عظيم؛ لأن العبد يبدأ بتعظيم مولاه قبل طلب حاجته.
السر الرابع: الصلاة على النبي ﷺ
من أعظم آداب الدعاء الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ، امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ...} [الأحزاب: 56]. فإذا بدأ العبد دعاءه بالصلاة على النبي وختمه بها، كان قد جعل دعاءه بين عملين كريمين، والله أكرم من أن يقبل البداية والنهاية ويترك ما بينهما.
السر الخامس: استقبال القبلة
استقبال القبلة من آداب الدعاء؛ فهي قبلة المسلمين في صلاتهم ووجهتهم في عبادتهم، وتجمع القلب وتذكر العبد بمقام العبودية وتقربه إلى السكينة والخشوع.
السر السادس: حسن الهيئة ولبس البياض
كان رسول الله ﷺ يحب البياض وندب أمته إلى لبسه. ليس معنى ذلك أن الدعاء لا يصح إلا بلباس أبيض، لكنه أدب يعين القلب على الحضور. فالبياض يؤثر في النفس صفاء وسكينة، والتشبه بهدي النبي ﷺ في الظاهر له أثر في الباطن.
السر السابع: طهارة الفم
من آداب الدعاء طهارة الفم؛ لأن العبد يناجي ربه، فينبغي أن يطيب فمه ما استطاع. وقد أرشد النبي ﷺ إلى السواك لتنظيف الفم وإزالة الرائحة الكريهة، وهذا من كمال الأدب.
السر الثامن: أكل الحلال وطيب المطعم
من أعظم أسرار استجابة الدعاء طيب المطعم وتحري الحلال. قال النبي ﷺ في شأن الرجل الذي يطيل السفر أشعث أغبر ويمد يديه إلى السماء: «يَا رَبِّ، يَا رَبِّ» ثم قال: «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟». وطيب المطعم يكون باجتناب المحرمات في الطعام والشراب، وبأن يكون المال نفسه حلالًا بعيدًا عن الرشوة والسرقة والغصب. ومن وقع في الحرام فباب التوبة مفتوح، والتوبة هي الندم والعزم على عدم العودة ورد الحقوق إلى أهلها.
واختتم جمعة قائلاً: إن الدعاء ليس كلمات تقال باللسان فحسب، بل هو حال في القلب وأدب على الجوارح وصدق في التوجه إلى الله. فمن أراد أن يفتح له باب الدعاء، فليصلح قلبه، ويطهر لسانه، ويطب مطعمه، ويبدأ دعاءه بذكر الله، ويصلي على النبي ﷺ، ويقف بين يدي ربه مفتقرًا موقنًا أن خزائن الرحمة بيد الله وحده.



