ظهرت العديد من الأبحاث التي تربط الصيام لمدة تتجاوز 72 ساعة بتحسين وظائف الجسم الحيوية. فمع الامتناع عن الطعام لعدة أيام، يبدأ الجسم في تغيير طريقة إنتاج الطاقة والتعامل مع الدهون والسكريات، لتظهر تأثيرات تمتد إلى الدماغ والجهاز المناعي وصحة القلب.
ماذا يحدث للجسم بعد 72 ساعة صيام؟
كشفت دراسة حديثة نشرت في دورية Nature Metabolism العلمية أن الجسم يدخل في حالة بيولوجية مختلفة تماماً بعد مرور نحو 72 ساعة من الصيام. تبدأ تغييرات واسعة تشمل الدماغ والجهاز المناعي وآليات إنتاج الطاقة داخل الخلايا. وأوضحت الدراسة أن التأثيرات الصحية الكبرى للصيام الطويل لا تظهر خلال الساعات الأولى، بل تبدأ بصورة أوضح بعد اليوم الثالث من الامتناع الكامل عن السعرات الحرارية، وهو ما وصفه الباحثون بأنه «إعادة برمجة شاملة» لطريقة عمل أعضاء الجسم. واستخدم الفريق تقنيات متطورة لتحليل ما يقرب من 3 آلاف بروتين داخل مجرى الدم، بهدف معرفة التغيرات التي تحدث داخل الأعضاء والأنسجة المختلفة أثناء الصيام الطويل.
الجسم يتحول من حرق السكر إلى الدهون
أظهرت النتائج أن الجسم يبدأ خلال أول يومين أو ثلاثة أيام في التحول التدريجي من الاعتماد على الجلوكوز إلى حرق الدهون كمصدر أساسي للطاقة، وهي المرحلة التي تعرف بـالحالة الكيتونية. كما فقد المشاركون في الدراسة نحو 5.7 كيلوجرامات في المتوسط من الدهون والأنسجة العضلية معاً، لكن بعد العودة لتناول الطعام استعاد الجسم أغلب الكتلة العضلية، بينما استمر فقدان نسبة من الدهون.
التغيرات الكبرى تبدأ بعد اليوم الثالث
أكد الباحثون أن المفاجأة الحقيقية لم تكن في فقدان الوزن، بل في التغيرات الجزيئية الضخمة التي بدأت بعد مرور 72 ساعة من الصيام. فقد تغير أكثر من ثلث البروتينات التي تم قياسها داخل الجسم، خاصة البروتينات المرتبطة بدعم الأنسجة والخلايا العصبية ووظائف الدماغ، ما يشير إلى أن الصيام الطويل قد يؤثر بصورة مباشرة على صحة المخ والجهاز العصبي. كما لاحظ العلماء أن الاستجابة البيولوجية كانت متشابهة بدرجة كبيرة بين جميع المشاركين، ما يدل على وجود آلية منظمة يعتمدها الجسم عند الدخول في الصيام الممتد.
الصيام الطويل وتحسين الصحة
أشارت الدراسة إلى وجود روابط محتملة بين الصيام الطويل وتحسين عدد من المسارات البيولوجية المرتبطة بتقليل الالتهابات وتحسين صحة القلب والأوعية الدموية وتعزيز حساسية الإنسولين. كما رجح الباحثون أن يساعد الصيام الممتد في تحسين وظائف الدماغ، خاصة مع التغيرات التي ظهرت في البروتينات المسؤولة عن دعم الخلايا العصبية وبنية المخ.
هل الصيام الطويل يطيل العمر؟
خلال السنوات الأخيرة، ارتبط الصيام المتقطع والصيام الطويل في العديد من الدراسات بتحسين التمثيل الغذائي وتقليل خطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة. ويرى العلماء أن دخول الجسم في الحالة الكيتونية لفترات طويلة يغير طريقة استخدام الخلايا للطاقة، وهو ما قد يفسر بعض الفوائد المرتبطة بإبطاء الشيخوخة وتحسين كفاءة الخلايا.
مخاطر الصيام لأكثر من 3 أيام
رغم الفوائد المحتملة، حذرت رشا سعيد، استشاري التغذية العلاجية، في تصريحاتها لـ«الوطن»، من أن الصيام الطويل لا يناسب الجميع، خاصة مرضى السكري وأمراض القلب واضطرابات الأكل. وأكدت أن الصيام الممتد قد يؤدي إلى الجفاف واضطراب الأملاح المعدنية والدوخة وفقدان الكتلة العضلية، إلى جانب احتمال حدوث تغيرات مؤقتة مرتبطة بالالتهابات وتجلط الدم. لذلك يجب ألا يتم تطبيقه دون إشراف طبي متخصص.
الصيام الطويل ليس مناسباً لكل الأشخاص
إن الصيام الطويل قد يساعد بعض الأشخاص على تحسين حساسية الأنسولين وتنشيط حرق الدهون، لكنه يحتاج إلى متابعة دقيقة للحالة الصحية قبل تطبيقه. وأضافت أن الامتناع عن الطعام لفترات طويلة قد يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم والشعور بالإجهاد والدوار، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من نقص الفيتامينات أو الأمراض المزمنة.
تحذير من تطبيق الصيام الطويل دون إشراف طبي
أكدت رشا سعيد أن الصيام لأكثر من 72 ساعة لا يجب أن يتم بشكل عشوائي أو بهدف خسارة الوزن السريعة فقط، لأن الجسم قد يتعرض لنقص حاد في العناصر الغذائية والسوائل، وهو ما قد يسبب مضاعفات صحية خطيرة لبعض الفئات. وأشارت إلى أن الأنظمة الغذائية المتوازنة والصيام المتقطع المعتدل قد تكون أكثر أماناً وفعالية لدى كثير من الأشخاص مقارنة بالصيام الطويل القاسي.



