الله يقترب من شكوكنا: كيف يحوّل يسوع الأسئلة إلى أبواب للإيمان؟
في مشهد مؤثر من الإنجيل، كما ورد في يوحنا 20: 19-31، نرى التلاميذ مجتمعين في غرفة مغلقة الأبواب بسبب خوفهم من اليهود، وفجأة يقف يسوع في وسطهم قائلاً: "سلام لكم!". هذا الحضور الإلهي لا يبدأ بتوبيخ أو لوم، بل ببساطة بالوجود وسط الظروف الصعبة. الرسالة هنا واضحة: الله لا ينتظرنا حتى نصلح أنفسنا أو نتخلص من شكوكنا، بل يأتي إلينا كما نحن، حتى داخل أبوابنا المغلقة من الداخل.
شك توما: ليس تمرداً بل بحثاً عن رجاء
توما، التلميذ الذي اشتهر بشكه، لم يرفض الإيمان بدافع التمرد، بل لأنه خاف من تكسر الرجاء مرة أخرى. يسوع، في رحمته، لم يطلب منه إيماناً مجرداً، بل اقترب منه في نفس النقطة التي تعثر فيها. لقد أراه الجراح نفسها التي كانت سبب عثرته، وحوّلها إلى باب للإيمان. هذا يكشف لنا قلب الله الحنون: هو لا يتجاهل شكوكنا، ولا يختصر الطريق بكلمات عامة، بل يقترب جداً، حتى من أكثر الأسئلة التي نخجل من التلفظ بها.
قد نظن أحياناً أن شكوكنا تبعدنا عن الله، أو أننا بحاجة إلى "إصلاح" أنفسنا أولاً قبل الاقتراب منه. لكن الحقيقة التي يعلنها هذا النص هي عكس ذلك تماماً: الله يقترب إلينا داخل شكوكنا نفسها. ليس ليتركنا فيها، بل ليقودنا من داخلها إلى معرفة أعمق به. الإيمان هنا لا يُبنى على إنكار الأسئلة، بل على لقاء حي مع شخص حي، كما اختبر توما عندما قال: "ربي وإلهي".
من الفهم إلى اختبار الحضور: تحول عميق في الإيمان
قول توما "ربي وإلهي" لم يكن مجرد اقتناع عقلي، بل استسلام قلب لمسَّه حضور حقيقي. هذا التحول ينتظرنا جميعاً: من محاولة الفهم المجرد إلى اختبار الحضور الإلهي في حياتنا. ومن السعي وراء يقين كامل إلى الثقة في شخص أمين. يسوع يفتح لنا أفقاً جديداً بقوله: "طوبى للذين آمنوا ولم يروا"، مؤكداً أن علاقتنا به اليوم ليست أقل قيمة، بل هي مساحة أعمق للثقة الحرة والاختبار الشخصي.
خذ خطوة هادئة وصادقة اليوم: لا تخفِ شكوكك، بل احملها أمام الله كما هي، وقل له ببساطة: "اقترب إليّ بالطريقة التي أفهمها.". ثم اترك له المساحة ليفاجئك بحضوره، ربما في كلمة تسمعها، أو سلام داخلي تشعر به، أو نور صغير يتسلل إلى فكرك. لأن الله لا يزال يأتي، ويقف في الوسط، ويقول لك: سلام لك. هذه دعوة للثقة والإيمان، حتى وسط الشكوك والأسئلة.



