طالب طب يروي حكايته: بالطو أبيض صباحاً وصندوق سندوتشات مساءً في المنوفية
طالب طب يروي حكايته: بالطو أبيض صباحاً وصندوق سندوتشات مساءً

طالب طب يروي حكايته: بالطو أبيض صباحاً وصندوق سندوتشات مساءً في المنوفية

في شوارع مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، قد تلمح شاباً يحمل كتبه متجهاً إلى كلية الطب صباحاً، بينما هو ذات الشخص يحمل صندوق سندوتشاته مساءً باحثاً عن رزق حلال. محمد خليل، طالب بالفرقة الثانية بكلية الطب جامعة المنوفية، اختار أن يسير في طريقين متوازيين: طريق الحلم بأن يصبح طبيباً، وطريق الكفاح لتحقيق الاستقلال المادي.

رحلة كفاح مبكرة بدأت في الإعدادية

لم يكن الطريق سهلاً، لكن محمد آمن أن البالطو الأبيض لا يُرتدى بالدرجات العلمية فقط، بل بالصبر والتعب والاعتماد على النفس. منذ أن كان طالباً في المرحلة الإعدادية، بدأ العمل صنايعي "جبسنبورد"، ولم ينتظر أن يكبر أو تنتهي دراسته، بل قرر تحمل المسؤولية مبكراً.

استمر في العمل خلال الثانوية العامة، يقسم يومه بين المذاكرة ومواقع العمل، حتى حصل على مجموع أهله للالتحاق بكلية الطب. بعد التحاقه بالكلية، وجد نفسه أمام واقع مرهق، حيث كان يحضر ثلاثة أيام في الجامعة، ثم يسافر إلى القاهرة للعمل ثلاثة أيام أخرى في مجال الجبسنبورد، مما تسبب في تنقل مستمر وإجهاد بدني وضغط نفسي جعل المعادلة صعبة.

مشروع لا يسرق الحلم

فكر محمد في عمل آخر لا يسرق الوقت أو يتسبب في الإرهاق أو يؤثر على حلمه بأن يصبح طبيباً ناجحاً، حتى وجد ضالته في مشروع بسيط لا يرهقه مادياً أو يبعده عن الحلم القديم. قرر صنع السندوتشات بجودة جيدة، ووضعها في صندوق خلف دراجته النارية، والتجول بها في شوارع شبين الكوم لبيعها بسعر مناسب.

هكذا غير مساره، وترك العمل الشاق في القاهرة، مؤمناً بأن عمله الجديد لن يرهقه بدنياً وسيمنحه مرونة أكبر لتنظيم وقته بين الدراسة والعمل.

صدمة في اليوم الأول وتحدي اليأس

بعد التحضير وشراء الخامات، نزل محمد إلى الشارع لأول مرة، واختار الوقوف بجوار محكمة شبين الكوم، ظناً منه أن المكان حيوي وسيشهد إقبالاً. لكن الصدمة كانت قاسية، حيث مر اليوم دون زبائن تُذكر، ليعود إلى منزله بصندوق سندوتشاته كما خرج به، مع عائد صفري.

تغلب على يأسه واقتنع بأن الصدمة لن تكون النهاية، وأن الفشل في يوم لا يعني خسارة الطريق. قرر أن يواصل عمله وحلمه كما رسم لنفسه، مقرراً الاستمرار حتى الوصول للهدف وعدم العودة من منتصف المشوار مهما كانت العوائق.

المستشفى التعليمي أول خيط نور

في اليوم التالي، غير محمد مكانه، واختار محيط المستشفى التعليمي بشبين الكوم، حيث رأى أن المكان يخدم مرافقي المرضى ولا يوجد من يبيع الطعام هناك. لم ينتظر الزبائن هذه المرة، بل تحرك نحوهم، وبدأ يمر على العيادات ويسأل المرافقين إن كانوا بحاجة إلى سندوتشات.

خطوة بسيطة لكنها صنعت الفارق، حيث تمكن في نهاية اليوم من بيع 16 سندوتشاً. ربما الرقم ليس كبيراً، لكنه بالنسبة لمحمد كان انتصاراً حقيقياً بعد "العائد الصفري" في اليوم الأول.

من 16 سندوتشاً إلى اسم معروف

عاد محمد في اليوم التالي إلى نفس المكان، وهذه المرة كانت الحصيلة أكبر. بدأ اسمه ينتشر سريعاً بين المترددين على المستشفى، بفضل جودة السندوتشات، ونظافة التغليف، وحسن التعامل، والأسعار الرمزية. كل هذه العوامل صنعت له سمعة طيبة في وقت قصير، ولم يعد يقف في انتظار الحظ، بل صنع فرصته بيده.

حلم لا يتوقف

بالنسبة لمحمد، صندوق السندوتشات ليس غاية، بل خطوة في طريق أطول. هو يعلم أن الطريق إلى غرفة العمليات يبدأ أحياناً من رصيف بسيط بجوار الجامعة، وأن الطبيب الذي يعرف معنى التعب في بداياته، يكون أكثر شعوراً بتقدير تعب مرضاه لاحقاً.

هكذا يمضي محمد خليل يومه، بين سماعة الطبيب التي يحلم بها، وصندوق سندوتشات يفتح له باب الاعتماد على النفس. لم ينتظر المستقبل، بل بدأ في صناعته بيديه، مثبتاً أن الإرادة والعزيمة يمكن أن تحول التحديات إلى قصص نجاح ملهمة.