د. بولا وجيه: الممر الذي يعيدك. الثلاثاء 05/مايو/2026 - 12:51 م. لم يكن في المبنى ما يلفت النظر: مدخل عادي، مصعد بطيء، وممرات متشابهة إلى حد يجعل الاتجاهات بلا معنى. جاء إلى هناك لأول مرة لإنهاء إجراء بسيط، ورقة يجب توقيعها، ختم لا يستغرق دقائق، ثم العودة إلى حياته كما كانت. لم يكن يتوقع أن يستغرق الأمر أكثر من زيارة واحدة، ولم يكن يعرف أن المشكلة لن تكون في الوقت، بل في الخروج.
بداية الضياع
بعد أن أنهى ما جاء من أجله، سأل الموظف عن الطريق إلى الباب، فأشار له إلى الممر الطويل على اليمين، وقال له أن يسير حتى النهاية ثم ينعطف يسارًا. بدا الأمر بسيطًا، فسار دون تفكير، خطواته ثابتة، وعقله منشغل بأشياء أخرى. وصل إلى نهاية الممر، انعطف يسارًا، فوجد نفسه في ممر آخر، مشابه تمامًا، بنفس الإضاءة، بنفس الأبواب المغلقة، بنفس الصمت الثقيل.
محاولات الخروج الفاشلة
لم يتوقف عند الأمر في البداية، فالمباني الكبيرة تتشابه ممراتها، هذا طبيعي. استمر في السير، يبحث عن أي علامة، أي اختلاف بسيط، لكنه لم يجد. وعندما ظن أنه ربما أخطأ في الاتجاه، قرر أن يعود من حيث جاء. دار حول نفسه، وسار في الاتجاه المعاكس، لكنه بعد دقائق وجد نفسه في نفس النقطة، نفس الباب، نفس البقعة على الأرض التي لمحها من قبل.
توقف هذه المرة. لم يكن هناك تفسير بسيط لما يحدث. حاول أن يعد خطواته، أن يراقب كل حركة، أن يثبت لنفسه أن المكان ليس دائرة مغلقة. سار ببطء، لمس الجدران، عدّ الأبواب، حاول أن يترك علامة صغيرة، خدشًا خفيفًا على الحائط، ثم أكمل. وبعد فترة، وجد نفس الخدش أمامه مرة أخرى.
تغير الإحساس
بدأ الإحساس يتغير. لم يعد الأمر مجرد ضياع، بل شيء آخر، كأن الممر لا يعيده إلى نفس المكان، بل يعيده إلى نفس اللحظة. كل مرة يسير، يشعر أن الوقت لا يتقدم كما ينبغي، أن الحركة لا تنتج وصولًا، بل تكرارًا. حاول أن يسرع، أن يركض، أن يكسر الإيقاع، لكن النتيجة لم تختلف. عاد إلى نفس النقطة، بنفس النفس المتقطع، بنفس الشعور الثقيل في صدره. جلس على الأرض، محاولًا أن يهدأ، أن يفكر بوضوح، لكن التفكير نفسه بدأ يدور في حلقة، يعيد نفس الأسئلة دون إجابات.
اللحظة الحاسمة
في لحظة ما، قرر أن يفعل شيئًا مختلفًا تمامًا: أن لا يتحرك. بقي جالسًا، ظهره إلى الحائط، عيناه تراقبان الممر بصمت. مرّت دقائق، أو ما ظنه دقائق، دون أن يحدث شيء. لم يتغير الضوء، لم يُسمع صوت، لم يظهر أحد. فقط الصمت، والممر، وانتظاره. ثم.. لاحظ شيئًا.
لم يكن في الممر، بل في نفسه. الشعور بالاستعجال، الرغبة في الخروج، الخوف من البقاء، كلها كانت تدفعه للحركة، للحل، للهروب. لكن عندما هدأ، عندما لم يعد يقاوم، بدأ الإحساس يتغير. لم يعد الممر يبدو كفخ، بل كمساحة ساكنة، تنتظر شيئًا آخر غير الخطوات.
الخروج بطريقة غير متوقعة
وقف ببطء، هذه المرة دون هدف واضح، وسار دون أن يعد، دون أن يبحث عن النهاية. وعندما وصل إلى المنعطف، لم ينعطف. توقف، ونظر إلى الزاوية التي كان يفترض أن يسلكها، ثم أكمل السير مستقيمًا، نحو الجدار. لم يكن منطقيًا، لكنه لم يعد يبحث عن المنطق. اقترب أكثر، حتى أصبح على بعد خطوة واحدة من الجدار، ثم مد يده، متوقعًا أن يلمس سطحًا صلبًا كما في كل مرة. لكن يده لم تتوقف. عبرت. تجمد مكانه، ثم دفع بجسده كاملًا إلى الأمام، وعبر.
وجد نفسه في بهو المبنى، قريبًا من الباب الذي دخل منه أول مرة. الضوء مختلف، الأصوات موجودة، والناس تمر كما لو أن شيئًا لم يحدث. التفت خلفه، فلم يجد الممر، فقط جدار عادي، لا يحمل أي أثر لما عاشه داخله.
العودة للتأكد
خرج إلى الشارع، واستنشق الهواء بعمق، كأن العالم عاد إلى حجمه الطبيعي. حاول أن يقنع نفسه أن ما حدث كان ارتباكًا، خطأ في الاتجاه، توترًا عابرًا. لكن الإحساس الذي بقي داخله كان أوضح من أن يُنكر. في اليوم التالي، عاد إلى المبنى، ليس لإنهاء شيء، بل ليتأكد. دخل، نظر حوله، وسأل عن الممر. أشار له الموظف إلى نفس الاتجاه. سار هذه المرة بثقة مختلفة، حتى وصل إلى الممر، ووقف عند بدايته. لم يدخل. فقط نظر إليه طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، كأن بينه وبينه اتفاقًا غير معلن. لأنه فهم أخيرًا أن الممر لم يكن يعيده إلى نفس المكان، بل كان يعيده إلى نفسه.. كل مرة، حتى يتوقف عن الهروب، ويختار أن يمر.



