لم نكن مرضى، أو هكذا قيل لنا عندما دخلنا ذلك المكان واحدًا تلو الآخر. كل ما طُلب منا أن ننتظر دورنا، فجلسنا في غرفة طويلة بلا نوافذ، على صفين متقابلين من الكراسي المعدنية، يتوسطهما ممر ضيق ينتهي بباب أبيض لا يحمل أي لافتة.
كان الباب يُفتح بين حين وآخر، يدخل منه أحدنا، ثم يُغلق، ولا يخرج أحد بعده. في البداية، تعاملنا مع الأمر ببساطة، كإجراء روتيني ممل، أو مكتب حكومي بطيء، لكننا لم نكن نعرف أن الانتظار نفسه هو ما يحدث لنا.
ساعة لا تتحرك ووجوه متشابهة
كانت هناك ساعة معلقة على الحائط، عادية في شكلها، لكنها لا تتحرك، أو ربما تتحرك ببطء لا يمكن ملاحظته. ومع ذلك، كنا نشعر بمرور الزمن، لا على الجدران، بل داخلنا. بدأ أحدنا يسأل من جاء أولًا، لكن السؤال نفسه بدا غريبًا، لأننا لم نكن متأكدين إن كنا قد جئنا قبل دقائق أم منذ زمن طويل.
الوجوه بدأت تتشابه، لا لأننا متشابهون، بل لأن التفاصيل بدأت تختفي، كأن الذاكرة تفقد قدرتها على التمييز.
دفتر الأسماء الغامض
في الركن كانت هناك طاولة صغيرة، عليها دفتر وقلم، فكرة بسيطة أن يكتب كل منا اسمه قبل الدخول. لكن الدفتر كان ممتلئًا بشكل غير طبيعي، صفحات فوق صفحات من أسماء مكتوبة بخطوط مختلفة، بعضها مهتز، وبعضها متداخل، وكأن المكان لا يكفي لكل تلك الأسماء. حاولت أن أجد اسمي، لكنني لم أستطع، والأسوأ من ذلك أنني لم أكن متأكدًا مما أبحث عنه تحديدًا.
النداء والدخول إلى الغرفة البيضاء
فجأة، فُتح الباب، ووقف رجل بملابس بيضاء، وجهه هادئ إلى درجة غير مريحة، ونادى اسمًا. لم يتحرك أحد، فأعاد النداء، ثم نظر نحوي مباشرة وأشار إليّ. أردت أن أقول إن هذا ليس اسمي، لكن الكلمات لم تخرج، لأنني لم أكن واثقًا من اسمي أصلًا.
وقفت وسرت نحوه، بينما كانت نظرات الآخرين تلاحقني، نظرات لا تحمل خوفًا أو شفقة، بل انتظارًا، كأنهم يرون في دخولي إجابة لا يملكونها.
دخلت الغرفة خلف الباب، فوجدتها أصغر مما توقعت، جدرانها بيضاء تمامًا، خالية من أي شيء سوى مرآة كبيرة في المنتصف، وأمامها كرسي واحد. طلب مني الرجل أن أجلس وأنظر، فنظرت إلى المرآة، فرأيت وجهًا أعرفه، لكنه بدا غير مكتمل، كأن بعض ملامحه لم تُحدد بعد. سألني عن اسمي، ولم أستطع الإجابة، فابتسم بهدوء، وقال إن ذلك طبيعي.
إعادة تعريف الهوية
اقترب قليلًا وأشار إلى المرآة، ثم ضغط زرًا خفيًا، فبدأ الوجه في المرآة يتغير ببطء، كأن أحدًا يعيد تشكيله من الداخل. الملامح تتحرك، تتبدل، تستقر، وأنا أراقب دون أن أشعر بشيء واضح، لا ألم ولا رفض، فقط قبول تدريجي. أخبرني أن ما يحدث هو إعادة تعريف، وأن كل من في الخارج جاء ومعه بقايا تعريف قديم، اسم وذاكرة وماضٍ، لكن العالم لا يحتاج كل هذا التعقيد.
توقف التغيير، ونظرت إلى المرآة مرة أخرى، لم أعد متأكدًا أن الوجه الذي أراه هو وجهي، لكنه لم يعد غريبًا أيضًا. طلب مني أن أقف، ثم فتح بابًا آخر لم أره من قبل، وأشار إليّ أن أخرج. قبل أن أفعل، سألته عن الآخرين، فقال بهدوء إنهم سينتظرون حتى يصبحوا جاهزين.
الخروج إلى عالم ناقص
خرجت إلى ممر طويل مضاء بإضاءة ثابتة، وفي نهايته باب مفتوح على شارع مزدحم. عندما خرجت، بدا كل شيء طبيعيًا، الناس، الأصوات، الحركة، لكنني حين حاولت أن أتذكر لماذا كنت هناك، لم أستطع. شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا، لكنني لم أكن أعرف ما هو. وبينما كنت أسير، مررت بجانب مبنى عادي جدًا، لولا لافتة صغيرة فوق باب أبيض. نظرت إليها دون اهتمام كبير، لكنني قرأت الكلمات بوضوح: غرفة الانتظار. ومن خلال الزجاج، رأيت أشخاصًا يجلسون في صفين متقابلين، ينظرون نحو الباب، وينتظرون دورهم، كما لو أنهم على وشك أن يصبحوا شخصًا آخر.



