الكنيسة القبطية تحيي ذكرى البابا مكسيموس الإسكندري: راعٍ حارس للإيمان في زمن الاضطرابات
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تحت رئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة البابا مكسيموس الخامس عشر، أحد باباوات الكرسي المرقسي البارزين، الذي تنيح في عام 282 ميلادية بعد مسيرة رعوية حافلة بالدفاع عن الإيمان وترسيخ التعليم الكنسي في مواجهة البدع والانقسامات التي شهدتها تلك الفترة التاريخية.
نشأة البابا مكسيموس ومسيرته المبكرة
وُلد البابا مكسيموس في مدينة الإسكندرية لأبوين مسيحيين حرصا على تعليمه وتهذيبه، حيث تفقّه في اللغة اليونانية ودرس العلوم الدينية بعمق، وعُرف منذ صغره بتقواه وخوفه من الله. رسمه البابا ياروكلاس شماسًا على كنيسة الإسكندرية، ثم رقّاه البابا ديونيسيوس إلى رتبة القس، لما لمساه فيه من علم وفضيلة استثنائية، مما أهله لتحمل مسؤوليات أكبر في خدمة الكنيسة.
توليه الكرسي البطريركي وجهوده الرعوية
بعد نياحة البابا ديونيسيوس، اختاره الآباء الأساقفة بالإجماع للجلوس على الكرسي البطريركي، فتولى الخدمة في 12 هاتور الموافق 9 نوفمبر سنة 264 ميلادية. ولم تمضِ فترة طويلة على رسامته حتى وردت إليه رسالة من مجمع أنطاكية تتضمن أسباب حرم بولس السميساطي وأتباعه، فقرأها على كهنة الإسكندرية، ثم حرر منشورًا كنسيًا أرسله مرفقًا برسالة المجمع إلى سائر بلاد مصر وأثيوبيا والنوبة، محذرًا من هذه البدعة ومؤكدًا ثبات الإيمان المستقيم، مما ساهم في تعزيز الوحدة الكنسية.
مواجهة البدع والاضطرابات الفكرية
تشير المخطوطات الكنسية، ومنها مخطوط بشبين الكوم، إلى أن بدعة بولس السميساطي زالت بموته، بعد أن بذل البابا مكسيموس جهدًا رعويًا وتعليميًا واسعًا في توعية الشعب بخطرها، حيث نظم حملات توعية وعظات منتظمة لتحصين المؤمنين. وفي أيام خدمته، ظهر شخص من بلاد فارس يُدعى ماني، ادّعى أنه البارقليط روح القدس، وجاء إلى بلاد الشام، فتصدى له أسقفها القديس أرشيلاوس وكشف ضلال تعاليمه، فعاد إلى فارس حيث لقي عقابًا شديدًا من الملك بهرام، مما يعكس البيئة المضطربة التي عمل فيها البابا مكسيموس.
إرث البابا مكسيموس وتأثيره الدائم
ظل البابا مكسيموس طوال مدة خدمته، التي استمرت سبع عشرة سنة وخمسة أيام، مجاهدًا أمينًا وحارسًا لرعيته، يثبتهم بالعظات والإنذارات والتعليم المستقيم، حتى تنيح بسلام عام 282 ميلادية. تاركًا سيرة راعٍ يقظ حفظ الإيمان وصان وحدة الكنيسة في زمن كثرت فيه الاضطرابات الفكرية واللاهوتية، حيث واجه تحديات متعددة بكل حكمة وإصرار.
وتبقى ذكراه في وجدان الكنيسة نموذجًا للراعي الأمين، الذي جمع بين العلم والتقوى، وبين الحزم الرعوي والمحبة الأبوية، في خدمة الكرسي المرقسي. تعكس سيرته قيمًا رعوية عميقة تستمر في إلهام الأجيال الحالية، حيث يسلط الضوء على أهمية الدفاع عن العقيدة في أوقات الأزمات، مما يجعل إحياء ذكراه مناسبة للتأمل في تاريخ الكنيسة الغني.



