علام وصافي: حكاية فتونة لم تسافر مع صاحبها في حارة الإمام علي
علام وصافي: فتونة لم تسافر مع صاحبها في حارة الإمام علي

حارة الإمام علي: حيث تستيقظ الذكريات ببطء

كانت حارة الإمام علي تصحو ببطء شديد، كأنها تفتح عينيها على مهلٍ لا يعرف العجلة أو الاندفاع. الماء في الترعة يلمع مع أولى خيوط الضوء الصباحية، والنسيم العليل يمرّ خفيفًا فوق الغيطان الخضراء، يحمل أسماء أصحابها كما لو كان يحفظها عن ظهر قلب. البيوت منخفضة ومتواضعة، والأبواب مصنوعة من خشبٍ تقيل، والأرض نفسها تعرف من يمشي فوقها… تحفظ خطاه بدقة، وتفرّق بين الغريب وصاحب المكان بسهولة.

علام: الرجل الذي لا يُقاس بطوله بل بثقله

في هذه الحارة الهادئة، لا يُقاس الرجل بطوله، بل بثقله حين يقف، وبالصمت العميق الذي يتركه خلفه إذا تحرّك. الكلام قليل، لكنه محسوب بدقة، والنظرات تقول ما لا يُقال بالكلمات. هناك، الهيبة لا تُكتسب فجأة، بل تُورَّث كما تُورَّث الأرض، جيلًا بعد جيل، مع كل تفاصيل الحياة اليومية.

ومن هذا الهدوء الثقيل، خرج علام. لم يأتِ صاخبًا، ولا احتاج أن يعلن عن نفسه بأي طريقة. كان حضوره يسبق صوته، وظله يكفي ليُفسح له الطريق في كل مكان. جسده ضخم، كأنه نبت من طين الحارة نفسه، وعقله أهدى من شكله، يعرف متى يشدّ الأمور، ومتى يتركها تسير وحدها حتى تنتهي. لم يكن يشرح أفعاله، ولم يكن يبرر قراراته… كل شيء عنده محسوب قبل أن يحدث، مدروس بعناية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

صافي: الاسم الذي لا يبهت على كتف علام

مع مرور الوقت، صار اسم علام يُقال بنبرة مختلفة في الحارة. لا خوفًا فقط، ولا احترامًا فقط، بل مزيجًا لا يُفهم بسهولة. الليل كان يعرف خطواته، والجدران الطينية تحمل أثر كتفيه، وفي كل زاوية حكاية مرّت به ولم تُروَ بالكامل.

على كتفه الأيسر، كان اسم "صافي" ساكنًا… لا يتغير، ولا يبهت مع الأيام. لم يتزوجها، ولم يتكلم عنها كثيرًا، وإذا ذُكرت، قال بهدوء: "الست صافي". كأن الاسم وحده لا يكفي، وكأن المسافة هي الشكل الوحيد الممكن للحب في عالمه.

لم يقل إنه يحبها صراحة، لكنه كان يغلق الحارة من أجلها. يومًا، توقّف كل شيء… لا خصومة ولا شجار، فقط صمتٌ واضح يقول إن الطريق لن يُفتح إلا حين تمرّ هي. ومن أجلها أيضًا، دخل عِرَكًا كثيرة، لا ليُثبت قوته، بل ليؤكد أن اسمها لا يُمس، وأن الوصول إليها ليس أمرًا سهلًا.

رحيل صافي إلى القاهرة: نهاية الفتونة

كان يخرج من كل عركة وفيه أثرها، جروح واضحة، وخطوة ثابتة. يمرّ من تحت شباك دارها مرفوع الرأس، كأن الألم جزء من هيبته، وكأن الخسارة الوحيدة هي أن يُقال يومًا: علام خاف. لكن الحارة لم تكن وحدها من ترى. أهلها رأوا ما يكفي ليخافوا… لا منها، بل منه. من اسمه، ومن ظله، ومن المستقبل الذي قد يفرضه. فاختاروا الرحيل بها، إلى القاهرة.

في البداية، كانت تعود. زيارات متباعدة، لكنها موجودة. ثم بدأت تقلّ… مرة بعد مرة، حتى صار الغياب أطول من الحضور، ثم صار هو الأصل. وعلام… لم يكن من الذين ينتظرون طويلًا.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

علام في القاهرة: حيث تفقد الفتونة هيبتها

ذهب إليها. دخل القاهرة كما يدخل الغريب عالمًا لا يعرفه. لا أحد ينظر إليه، ولا أحد يفسح له الطريق. الناس تمشي مسرعة، تصطدم به دون أن تعتذر. الصبية يمرّون بجانبه بلا خوف. هو الذي كانت الشياطين في قريته تتجنّب السير بقربه.

هناك، فهم شيئًا لم يفهمه من قبل. أن الفتونة لا تسافر مع صاحبها، وأن الهيبة تُترك خلف الحدود، وأن الجسد وحده… لا يصنع مكانة. بحث عنها طويلًا. سأل، وتاه، ووصل ثم ضاع، حتى وجدها أخيرًا.

لم تكن كما تركها. كانت أهدأ… أثقل… كأن الحياة مرّت عليها وأعادت تشكيلها. تعمل، تُطيع، وتصمت أكثر مما ينبغي. نظر إليها، منتظرًا أن يتغيّر شيء… أن تتوقف اللحظة… أن يعود الزمن خطوة إلى الخلف. لكن لا شيء حدث. لم يره أحد. ولم تتوقف الدنيا.

العودة والزمن: ما تبقى من حكاية

في تلك اللحظة، عرف أن ما كان يحمله لم يعد كافيًا. وأن العالم هنا لا يعرفه، ولا ينتظر أحدًا. عاد. عاد أخفّ مما كان، وكأن شيئًا كبيرًا تُرك هناك، ولم يرجع معه. لم ينتظرها بعد ذلك، ولم يحاول مرة أخرى.

ومرّ العمر. نحل الجسد، وتهدّل الجلد، واختفى اسم "صافي" وسط كرمشة لحمه، كما لو أنه يختبئ داخل الذاكرة لا على الجلد. وفي آخر أيامه، مال على ابنه، واقترب منه، وقال بصوتٍ بالكاد يُسمع: "ربنا ضعفني بصافي… عشان ملك الموت يقدر عليّا."

ومضت. ماتت الفتونة قبل أن يموت علام، وبقي منه جسد يحمل ما تبقى من حكاية. لكن الاسم… لم يختفِ. ظلّ يُحكى، يتردد بين الناس، أثقل من أي قوة، وأصدق من أي صمت. لأن الفتوة تزول… لكن ما كان حقيقيًا، لا يموت.