31 عاماً من العطاء المتواصل.. قصة مائدة الحاج المصري أقدم موائد الرحمن في أسوان
31 عاماً من العطاء.. قصة مائدة الحاج المصري في أسوان (28.02.2026)

31 عاماً من الخير المتدفق.. حكاية مائدة الحاج المصري التاريخية في أسوان

مع اقتراب شهر رمضان المبارك كل عام، تتنفس مدينة أسوان عبق القيم الإنسانية النبيلة، وتتزين شوارعها وأحياؤها بموائد الرحمن التي تنتشر كالنجوم في سماء الخير، ومن بين هذه النماذج المشرقة، تبرز "مائدة الحاج المصري" كواحدة من أقدم وأعرق صور العطاء في جنوب مصر، حيث تمتد حكايتها الإنسانية لأكثر من واحد وثلاثين عاماً من العطاء المتواصل دون توقف.

من وجبات محدودة إلى 500 وجبة يومياً.. رحلة كبرت مع الأيام

في حديث خاص، يسترجع الحاج المصري ذكريات البدايات المتواضعة، حيث بدأت المائدة بعدد محدود من الوجبات، ومع مرور السنوات، كبرت الفكرة وتوسعت، وزاد عدد المستفيدين بشكل ملحوظ، حتى وصلت اليوم إلى إعداد أكثر من 350 وجبة يومياً، وقد تصل في أيام محددة إلى 500 وجبة كاملة تُوزع على المحتاجين.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات جافة، بل تمثل قصصاً يومية حية لأسر كثيرة، وعابري سبيل، وعمال بسطاء، يجدون في هذه المائدة باباً مفتوحاً للخير دون سؤال أو حرج، كما أنها ليست حكراً على فئة معينة، بل أبوابها مشرعة للجميع دون تمييز.

نظام متكامل يحفظ الكرامة.. بين الجلوس في المكان والتوصيل للمنازل

يعمل النظام في المائدة على مستويين رئيسيين: المستوى الأول يتمثل في استقبال الصائمين في المكان نفسه، حيث يجلسون لتناول الإفطار في أجواء أخوية، بينما المستوى الثاني يتضمن تجهيز وجبات كاملة تُرسل يومياً إلى منازل الأسر التي لا تستطيع الحضور، حفاظاً على كرامتهم وتقديراً لظروفهم الخاصة.

ويحرص الحاج المصري بنفسه على متابعة جميع التفاصيل، من التجهيز إلى التوزيع، حيث يقف مع فريقه يومياً طوال شهر رمضان، لضمان وصول الخير إلى مستحقيه بالصورة اللائقة.

مطبخ الخير.. حيث تبدأ الحكاية قبل ساعات من الأذان

داخل المطبخ، تبدأ الاستعدادات اليومية قبل ساعات طويلة من أذان المغرب، حيث يقف الشيف إبراهيم محمود، أحد الأعمدة الأساسية في هذا العمل الخيري، وسط فريقه المتكامل، يوزع المهام ويتابع التفاصيل بدقة متناهية.

يقول الشيف إبراهيم: "نحن جاهزون لخدمة الناس في أي وقت، حرصاً على خروج الوجبات متكاملة وتليق بكرامة الصائمين، وتبدأ الوجبة بالتمر اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الطبق الرئيسي الذي يتنوع بين الدجاج أو اللحم، مع الأرز والخضار الطازج المطبوخ، بالإضافة إلى السلطة والمخلل، والخبز الطازج، والعصير الطبيعي".

تنوع المشروبات.. رسالة بأن الصائم يستحق الأفضل

من التفاصيل التي تحرص عليها المائدة بشكل خاص، التنوع في المشروبات طوال أيام الشهر الكريم، حيث بدأ أول يوم بعصير الفراولة والمانجو، ويتغير العصير يومياً بين البرتقال الطازج، والتمر هندي، والكركديه، وهي من المشروبات الأسوانية المفضلة المرتبطة بذكريات وطقوس أهل المدينة.

وهذا التنوع ليس رفاهية، بل رسالة واضحة تقول إن الصائم الذي يتحمل مشقة الجوع والعطش طوال النهار، يستحق أن يفطر على أفضل ما يمكن تقديمه.

تحدي الاستمرارية.. 31 عاماً من العطاء بلا توقف

رغم كبر حجم العمل واتساع نطاقه، يصر الحاج المصري على متابعة كل شيء بنفسه، يتفقد المكان، يطمئن على جودة الطعام، يتحدث مع المتطوعين، ويستقبل الضيوف بابتسامة صادقة تنم عن حب حقيقي للعطاء.

وعن تحديات الاستمرارية، يقول الحاج المصري: "31 عاماً رقم كبير بكل المقاييس، لكن الله كريم، وطالما هناك أناس محتاجون، فلابد أن نستمر في العطاء، النجاح الحقيقي لا يكمن في عدد الوجبات، بل في الاستمرارية والإخلاص في العمل".

لحظة الأذان.. حيث تتحول الموائد إلى منابر للدعاء

في كل يوم، ومع اقتراب أذان المغرب، تمتلئ الطاولات بالوجبات المرتبة بعناية، ويجلس الصائمون في هدوء يسبقه نظرات امتنان لا تحتاج إلى كلمات، ولحظة الأذان هنا لها طعم مختلف تماماً، فهي ليست مجرد لحظة إفطار، بل لحظة تجسد معنى التكافل الاجتماعي الحقيقي.

وتتعالى الأدعية الصادقة من القلوب: "ربنا يجازيهم خير"، "ربنا يبارك لهم"، وهي أعظم مكافأة ينتظرها الحاج المصري وفريقه المخلص.

شهادات مستفيدين.. الخير الذي يحفظ الكرامة

يجلس عم حسن محمد، أحد المستفيدين الدائمين من المائدة، قبل أذان المغرب بدقائق، وهو يضم كفيه بالدعاء في هدوء، ويعمل بالأجرة اليومية، وأحياناً تمر أيام لا يكفي فيها الدخل لسد احتياجات أسرته.

ويقول بصوت يملأه الامتنان: "مائدة الحاج المصري لم تكن يوماً مجرد وجبة إفطار، بل كانت سنداً حقيقياً في أيام ضاقت فيها الأحوال، وأشعر هنا أني بين أهلي، لا يسألني أحد عن ظروفي، ولا ينظر إليّ أحد بشفقة، أجلس، أفطر، وأرفع يدي بالدعاء لمن كانوا سبباً في هذه النعمة".

أما "أم محمد"، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، فتصلها الوجبات يومياً إلى منزلها ضمن الوجبات التي تُجهز وتُرسل للأسر غير القادرة على الحضور.

وتقول: "الوجبة المتكاملة تخفف عني عبئاً كبيراً في شهر رمضان، وتمنح أبنائي إحساساً بفرحة الإفطار مثل باقي الأطفال، هذا العطاء لا يشعرني بالحاجة، بل بالاحتواء، وكأن هناك من يشاركني مسئولية الحياة".

قصة تروى كل عام.. نموذج مضيء في زمن يحتاج إلى الخير

في زنا يبحث فيه كثيرون عن نماذج مضيئة، تظل مائدة الحاج المصري واحدة من أجمل صور الخير المتواصل، حكاية تُروى كل عام، ويكتب فصولها أناس اختاروا أن يكونوا سبباً في فرحة صائم، ودعوة صادقة، وأمل يتجدد مع كل أذان مغرب.

وبعد 31 عاماً، لا يزال الحاج المصري يحمل نفس الحماس الذي بدأ به، لا يتحدث عن تعب أو مشقة، بل عن نعمة الخدمة وفرصة العطاء، يرى في كل وجبة تُقدم باباً مفتوحاً للثواب، وفي كل دعوة صادقة كنزاً لا يُقدر بثمن.

مائدته ليست مجرد مكان يُقدم فيه الطعام، بل هي قصة وفاء لقيمة العطاء، ودليل حي على أن الخير إذا بدأ صادقاً من القلب، فإنه يستمر ويكبر عاماً بعد عام، ويترك أثراً لا يمحى في نفوس من يصل إليهم.