أزمة الأسعار في مصر: حلقة مفرغة بين الدولة والسوق والمواطن
في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، تبدو الأسعار في مصر وكأنها تدور في حلقة مفرغة، حيث تتحول الأزمة إلى واقع يومي يطارد المواطنين دون إدارة حقيقية. منذ قرار تعويم الجنيه وتحرير سعر الصرف، دخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة تمامًا، تُرك فيها السعر لقوى السوق، لكن دون استكمال الشروط الضرورية لنجاح هذا التحول الجذري.
إشكالية إدارة الأزمة في عهد حكومة الدكتور مصطفى مدبولي
في هذا السياق، تتكشف إشكالية إدارة الأزمة تحت قيادة حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، حيث تبدو السياسات المطبقة أقرب إلى ردود أفعال متتالية، بدلاً من رؤية متكاملة تعيد ضبط العلاقة المعقدة بين الدولة والسوق والمجتمع. لم يكن التعويم مجرد إجراء نقدي بسيط، بل كان نقطة فاصلة نقلت عبء الاختلالات الهيكلية من الدولة إلى كاهل المواطن العادي.
مع كل موجة انخفاض في قيمة العملة المحلية، شهدت الأسعار ارتفاعًا ملحوظًا، كترجمة فورية لفقدان القوة الشرائية. ومع ذلك، ما لم يُعالج بشكل جذري هو البيئة الاقتصادية التي تسمح لهذه الزيادات بأن تتحول إلى سلوك دائم ومستمر، بدلاً من كونها استجابة مؤقتة للتقلبات.
التناقض في سياسات الحكومة: بين محاربة الجشع وزيادة التكاليف
من ناحية، تعلن الحكومة محاربة جشع التجار والمستغلين، ولكن من ناحية أخرى، تمارس سياسات مالية تضغط بشدة على التكلفة المعيشية. تشمل هذه السياسات فرض ضرائب جديدة، وزيادة الرسوم، ورفع أسعار الطاقة والخدمات الأساسية، وكلها تنتقل تلقائيًا إلى المستهلك النهائي. وهنا يتجلى التناقض الصارخ: الدولة تتصرف كخصم وحكم في آن واحد، مما يخلق حالة من الارتباك وعدم الثقة.
ومع ذلك، فإن تحميل الحكومة وحدها المسؤولية الكاملة يُخفي نصف الحقيقة. فالمجتمع نفسه أصبح جزءًا لا يتجزأ من هذه الحلقة المغلقة. التاجر الصغير، ومقدم الخدمة، وحتى الفرد العادي، يتعاملون مع السعر بوصفه فرصة للربح السريع، وليس كالتزام أخلاقي أو اقتصادي تجاه المجتمع.
تحول التضخم إلى ثقافة عامة تهدد الاستقرار
وهكذا، يتحول التضخم من مجرد ظاهرة اقتصادية إلى ثقافة عامة تسود المجتمع، حيث يسابق الجميع الزمن لتعويض خسائره المتوقعة، مما يصنع خسارة جماعية مؤكدة على المدى الطويل. هذه ليست سوقًا حرة بالمعنى الكلاسيكي، بل سوقًا قلقة ومتوترة، يغذيها الخوف والترقب أكثر مما تحكمها القواعد والضوابط المنظمة.
في هذا الإطار، تبدو سياسات الحكومة الحالية وكأنها تراهن على ما يُعرف بـ "التمويل عبر الألم": من خلال تقليص الدعم الحكومي، وتعظيم الإيرادات الضريبية، وجذب استثمارات خارجية سريعة، حتى وإن جاءت على حساب استثمارات محلية أكثر استدامة واستقرارًا.
السؤال الجوهري: هل يمكن لهذا النهج أن يحل أزمة الديون؟
لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يمكن لهذا النهج أن يحل أزمة الديون المتراكمة؟ الإجابة الأقرب للواقع تشير إلى أنه يؤجل الأزمة ولا يحلها بشكل جذري. لأن سداد الديون لا يتحقق فقط بزيادة الموارد المالية، بل بخلق اقتصاد منتج وقادر على توليد قيمة مضافة حقيقية.
إذا استمر الضغط على الداخل الاقتصادي دون توسيع حقيقي لقاعدة الإنتاج المحلي، فإن أي تحسن مالي سيبقى هشًا وضعيفًا، وقابلًا للتآكل مع أول صدمة خارجية أو أزمة عالمية.
الأخطر: تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمواطن
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمواطن. حين يشعر المواطن أن الدولة لا تشاركه العبء بعدالة وإنصاف، وأن السوق لا تحكمه قواعد منضبطة وشفافة، فإنه يميل بدوره إلى سلوك دفاعي قد يبدو فرديًا، لكنه مدمر جماعيًا على المدى البعيد.
وهنا تتجلى الدوامة التي وصفتها المقالة: حتى لو تحسنت المؤشرات الاقتصادية الكلية، لن تنخفض الأسعار بسهولة، لأن السلوك الاقتصادي نفسه قد تغير جذريًا، وأصبح قائمًا على الخوف والترقب.
الخروج من الحلقة المفرغة: نحو إعادة تأسيس العدالة الاقتصادية
الخروج من هذه الحلقة المفرغة لا يحتاج فقط إلى قرارات اقتصادية تقنية، بل إلى إعادة تأسيس فكرة العدالة الاقتصادية كقاعدة حاكمة وأساسية. هذا يشمل ضبط الأسواق بآليات حقيقية وفعالة، وليس شكلية، ودعم الإنتاج المحلي بدلاً من التركيز على الجباية الضريبية، وتحفيز الاستثمار المحلي قبل الارتهان للاستثمار الخارجي.
والأهم من ذلك كله: بناء نموذج حكم يُشعر المواطن أن الدولة قدوة وضامنة لحقوقه، وليس منافسًا أو خصمًا. فالمجتمع الغني والمستقر ليس رفاهية، بل شرط أساسي للاستقرار الشامل، وهو وحده القادر على تمويل المشروعات الكبرى، بما فيها تلك المتعلقة بالأمن القومي.
الخاتمة: خطر استمرار المسار الحالي
أما إذا استمر المسار الحالي دون تغيير، فإن أزمة الديون قد تُدار حسابيًا على الورق، لكنها ستُعاد إنتاجها اجتماعيًا واقتصاديًا. لأن الاقتصاد، في جوهره، ليس أرقامًا وجداول فقط، بل ثقة ومشاركة مجتمعية. وإذا انهارت الثقة، فإن أي إصلاح نقدي أو مالي يصبح كمن يسكب الماء في إناء مثقوب.
في النهاية، ليست المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده، بل في غياب السقف الذي يوقف هذا الارتفاع المستمر، وغياب الأرضية الاقتصادية التي تعطيه معنى واستقرارًا. وبين سقف مفقود وأرضية مهتزة، يبقى المواطن معلقًا في منتصف الطريق، يدفع الثمن مرتين: مرة حين يشتري حاجياته بأسعار مرتفعة، ومرة حين يفقد الأمل في أن يتغير شيء نحو الأفضل.



