موازنة 2026-2027: فائض أولي تاريخي وتقليص العجز في إطار إنفاق يتخطى 8 تريليونات جنيه
تأتي موازنة العام المالي 2026-2027 في توقيت حاسم، حيث يسعى الاقتصاد المصري إلى ترسيخ مرحلة التعافي المستدام والانطلاق نحو آفاق نمو أكثر شمولاً. بإجمالي إنفاق يتخطى حاجز الـ8 تريليونات جنيه، لا تظهر هذه الموازنة كأضخم موازنة في تاريخ البلاد فحسب، بل كأداة اقتصادية مرنة تهدف إلى إحداث توازن دقيق بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية.
أهداف رئيسية: تقليص العجز وتحقيق فائض أولي غير مسبوق
تستهدف الموازنة الجديدة تقليص العجز الكلي ليصل إلى 4.9%، مع تحقيق فائض أولي تاريخي بنسبة 5%. من خلال هذا الفائض، تسعى الدولة لتوفير موارد ذاتية تُمكِّنها من سداد أصل الدين وفوائده دون الحاجة إلى التوسع في اقتراض جديد. هذا التوجه يسهم بشكل مباشر في تقليل صافى الاحتياجات التمويلية السنوية، ويبدأ في تقليص حجم الدين العام لأجهزة الموازنة ليصل إلى المستهدف، وهو 78% من الناتج المحلي بنهاية يونيو 2027، بحسب بيانات وزارة المالية.
زيادة الحصيلة الضريبية عبر الرقمنة ودمج الاقتصاد غير الرسمي
تستهدف الموازنة زيادة الحصيلة الضريبية لتصل إلى قرابة 4 تريليونات جنيه، حيث تعتمد الدولة على التوسع الأفقي بدلاً من الرأسي. بمعنى أن هذه الزيادة ستتحقق من خلال:
- رقمنة المنظومة الضريبية والحد من التهرب الضريبي عبر الأنظمة الإلكترونية الحديثة.
- دمج الاقتصاد غير الرسمي، مما يوسع قاعدة الممولين ويحقق العدالة التنافسية.
- تحفيز الاستثمار دون فرض أي ضرائب أو رسوم إضافية على المستثمرين أو المواطنين.
هذا النهج يعزز من جاذبية الاقتصاد الوطني ويدعم النمو المستدام.
دعم المصدرين والصناعة بمخصصات ضخمة وحوافز جريئة
تضع الدولة الاستثمار والصناعة على رأس أولويات الموازنة الجديدة، باعتبارهما المحرك الأساسي لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة. وتتجلى هذه الرؤية في تبنِّي حزمة من المحفزات الجريئة التي تستهدف تعميق التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا، مع رصد مخصصات ضخمة لدعم المصدرين وترفيق المناطق الصناعية.
خصصت الموازنة نحو 48 مليار جنيه لدعم المصدرين، مع التركيز على سرعة صرف المتأخرات، مما يوفر سيولة نقدية للمصانع تسهم في توسيع خطوط الإنتاج. كذلك تتضمن حوافز لأسعار الطاقة الموجهة للصناعات الثقيلة والمتوسطة لضمان تنافسية المنتج المحلي أمام السلع المستوردة.
حوافز ضريبية وجمركية لتعزيز المكون المحلي
تقدم الدولة حوافز ضريبية وجمركية للمصانع التي تنجح في رفع نسبة المكون المحلي إلى أكثر من 50%، خاصة في قطاعات:
- الأجهزة الكهربائية.
- الهواتف المحمولة.
- صناعة السيارات.
تستهدف الموازنة تحويل مصر إلى وجهة أولى للاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، معتمدة على استقرار المؤشرات الكلية.
استراتيجية شاملة لإدارة الدين وخفض الاحتياجات التمويلية
في رسالة طمأنة للمواطنين والمستثمرين، أكدت وزارة المالية أن لديها استراتيجية متكاملة وشاملة لإدارة ملف الدين يعمل على تنفيذها جميع جهات الدولة. تستهدف هذه الاستراتيجية:
- خفض معدل دين أجهزة الموازنة للناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2027.
- خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 2 مليار دولار سنوياً.
- خفض الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة بنحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط.
أولويات السياسات المالية ودعم النمو الاقتصادي
أكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن الموازنة الجديدة ترتكز على 4 أولويات رئيسية للسياسات المالية، تستهدف دعم النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار وتحقيق التوازن المالي، بالتوازي مع تعزيز الشراكة مع مجتمع الأعمال عبر حزم التسهيلات الضريبية والجمركية والعقارية.
أوضح كجوك أن الإيرادات العامة المستهدفة خلال العام المالي المقبل تبلغ 4 تريليونات جنيه بزيادة 27.6%، وأن المصروفات العامة المتوقعة تبلغ 5.1 تريليون جنيه بمعدل نمو 13.2%.
برامج مساندة للقطاعات الإنتاجية والسياحية
لفت وزير المالية إلى أن الحكومة تسعى لتحقيق التوازن بين الانضباط المالي ودعم النشاط الاقتصادي، من خلال برامج مساندة للمصدرين والقطاع الصناعي والسياحي وريادة الأعمال. تم تخصيص:
- 6.7 مليار جنيه لدعم القطاع السياحي وزيادة الغرف الفندقية.
- 6 مليارات جنيه تسهيلات تمويلية للقطاعات الإنتاجية لتعظيم القدرات الصناعية والزراعية.
- 5 مليارات جنيه حوافز نقدية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر وريادة الأعمال.
- 5.5 مليار جنيه لدعم صناعة السيارات، مع التركيز على جذب صناعة السيارات صديقة البيئة ومكوناتها.
- 2 مليار جنيه لتحفيز الصناعات ذات الأولوية لزيادة الطاقة الإنتاجية لهذه القطاعات الحيوية.
زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية
كشف وزير المالية عن زيادة حجم ونسبة الاحتياطيات بالموازنة الجديدة للتعامل مع المخاطر الحالية والمحتملة، مع تخصيص مخصصات إضافية لتخفيف الأعباء قدر المستطاع على محدودي ومتوسطي الدخل وبعض المستثمرين، وتحسين جودة الخدمات العامة. كما أشار إلى أن هناك زيادات كبيرة ومؤثرة بالموازنة لقطاعات التنمية البشرية، مع إعطاء الأولوية بشكل أكبر للصحة والتعليم.
تمويل شراء القمح المحلي ودعم المزارعين
قال كجوك إنه تم توفير 69.1 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلي من المزارعين بعد زيادة سعر توريد الأردب إلى 2500 جنيه خلال الموسم الحالي. وأضاف: "نستهدف زيادة توريدات القمح المحلي؛ بما يخفض من استيراد القمح من الخارج بداية من العام المقبل".
خطة التنمية الاقتصادية واستثمارات بقيمة 3.8 تريليون جنيه
بدوره، أكد الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي الجديد أقرَّت الإطار العام للخطة متوسطة المدى حتى 2029-2030، بما يدعم مسار التنمية المستدامة وتحسين جودة حياة المواطنين.
أوضح الوزير أن الخطة تستهدف تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 5.4% خلال عام 2026-2027، يرتفع تدريجياً إلى 6.8% بحلول عام 2029-2030. فيما يتعلق بحجم الاستثمارات، أكد الوزير أنه من المستهدف ضخ استثمارات كلية تُقدَّر بنحو 3.8 تريليون جنيه، موزعة بين استثمارات عامة بقيمة 1.5 تريليون جنيه بنسبة 41%، واستثمارات خاصة بقيمة 2.2 تريليون جنيه بنسبة 59%، بما يعكس توجه الدولة لتعزيز دور القطاع الخاص.
مبادرات رئيسية لدعم المشروعات والابتكار
أوضح وزير التخطيط أن الخطة تتضمن ثلاث مبادرات رئيسية، تشمل:
- "التجمعات المنتجة" لدعم المشروعات كثيفة العمالة.
- برنامج "ريادة الأعمال والابتكار" لتمكين الشركات الناشئة.
- مبادرة "تعبئة الاستثمارات الخاصة في البنية التحتية" لتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في تمويل المشروعات الاستراتيجية.
هذه الموازنة تمثل خطوة جريئة نحو تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق النمو المستدام، مع التركيز على تحسين جودة حياة المواطنين ودعم القطاعات الإنتاجية الحيوية.



