في دهاليز وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أصبح السؤال المطروح والدائم في الغرف المغلقة هو: "من يدير الوزارة؟" وزادت جلسات النميمة بسؤال أكثر حساسية هو: "من يملك المفاتيح الحقيقية للقرار؟".
إعادة تشكيل القوى في وزارة الإسكان
فبينما تجلس المهندسة راندة المنشاوي على مقعد الوزير، يبرز اسم الدكتور وليد عباس العائد من الظل كـ "شريك في الحكم" بموجب قرار تفويض وُصف في أروقة الوزارة بأنه "انقلاب إداري ناعم" أعاد تشكيل موازين القوى في أخطر حقيبة خدمية واقتصادية في مصر.
القرار 92 لسنة 2026: "صك الملكية" الذي هز عرش السيدة الأولى في الوزارة
في 17 فبراير 2026، وقعت الوزيرة راندة المنشاوي القرار رقم 92، وهو القرار الذي يرى مراقبون أنه "كُتب بمداد من جهات نافذة" لضمان بقاء وليد عباس –الصندوق الفعلي لملفات الاستثمار العقاري– في قلب دائرة القرار. هذا التفويض على صورته التي خرج عليها – وفقًا لمصادر في الوزارة – ليس "إداريًا روتينيًا"، إنما هو "نقل سيادة" كامل من الوزيرة لنائبها؛ يمنح عباس لأول مرة في تاريخ الوزارة سلطة مخاطبة "الجهات المهمة" مباشرة. وهو ما يعني عمليًا أن الوزيرة تنازلت عن "قيمة التواصل النافذ" لصالح نائبها، مما يجعل الأخير هو "قناة الاتصال الوحيدة" مع الدوائر المهمة.
عصر "الشربيني" وحرب "تكسير العظام"
لا يمكن فهم قوة وليد عباس الحالية دون العودة لمرحلة "الوزير السابق" شريف الشربيني، الذي دخل الوزارة محملًا برغبة جامحة في "تطهير" مكتب الوزير من نفوذ عباس الذي تعاظم في عهد عاصم الجزار. أطاح الشربيني بعباس، ونقله إلى "دائرة الظل" بعيدًا عن الديوان العام، في محاولة لفك شبكة "العلاقات"، لكن عباس، الذي يتقن "حرفة الوميض" خلف الكواليس، لم يسقط؛ بل عاد مع التغيير الوزاري الأخير محمولًا على أكتاف "صلاحيات استثنائية" جعلت من إطاحة الشربيني به مجرد "استراحة محارب" انتهت بهزيمة لمشروع الشربيني وعودة أقوى لـ "رجل الصفقات الكبرى بين الوزارة وكبريات شركات التطوير العقاري بالبلاد".
تقاسم النفوذ: هل أصبحت "المنشاوي" وزيرة مراسم فقط؟
بموجب الاختصاصات الجديدة، بات وليد عباس يسيطر على:
- الولاءات الإدارية: عبر الإشراف على لجان الوظائف القيادية وتعيين ممثلي الوزارة في الشركات المليارية.
- الرقابة والمال: بإشرافه المباشر على إدارات الحوكمة، والأمن، والشؤون القانونية.
- المستقبل الرقمي: بالسيطرة على ملف التحول الرقمي الذي تتدفق عبره مئات الملايين من التمويلات.
هذا التمدد يضع الوزيرة راندة المنشاوي في موقف لا تحسد عليه؛ فبينما تنشغل هي باللقاءات الرسمية والمراسم، يمسك "عباس" بمفاصل "هيئة المجتمعات العمرانية" –الدجاجة التي تبيض ذهبًا للدولة– ويتحكم في محاضر مجالس إدارتها، مما يجعله "الوزير الفعلي" خلف الستار.
الملفات المثيرة للجدل: صمت الوزيرة وطموح النائب
تلاحق الوزيرة راندة المنشاوي تساؤلات حول ملفات "الإسكان الاجتماعي" وتأخر تسليم الوحدات، وهي الملفات التي بدأت تثير غضب الدوائر العليا. وفي ظل هذا الضغط، يبدو وليد عباس وكأنه "المنقذ" الجاهز دائمًا بالحلول الفنية، وهو ما يعزز الرواية التي تقول إن عباس هو "خيار الدولة" لإدارة الأزمات، بينما الوزيرة هي "خيار الهيكل الإداري". القرار الأخير يمنحه الحق في التدخل في "اختيار ممثلي الوزارة في الشركات"، وهو "منجم نفوذ" يسمح له ببناء شبكة عابرة للهياكل الحكومية، ويجعل من كلمة "نائب" مجرد لقب بروتوكولي يخفي تحت طياته سلطة مطلقة.
وزارة برأسين.. إلى متى؟
وعلى ذلك فإن حالة "الوزارة ذات الرأسين" التي تعيشها الإسكان الآن تثير قلق خبراء الحوكمة؛ فالتداخل بين صلاحيات المنشاوي ونفوذ عباس "المفوض فعليًا" يخلق بيئة خصبة للصراعات الداخلية. السؤال الذي سيهز مكتب الوزيرة غدًا: هل وقعت راندة المنشاوي على قرار تفويض وليد عباس بمحض إرادتها، أم أنها كانت "مضطرة" للتوقيع على وثيقة تنازل عن نصف سلطاتها لصالح الرجل الذي لا تغيب شمسه عن "منجم الدولة لاستخراج الثروات المكنوزة في هيئة المجتمعات العمرانية"؟ كذلك فإن غضب الوزيرة المتوقع من هذا الطرح لن يغير من الحقيقة الموثقة بالقرار 92 لسنة 2026: وليد عباس ليس نائبًا كأقرانه نواب الوزراء الآخرين.. وليد عباس هو "الشريك الحاكم" في وزارة الإسكان.



