لم يكن هناك ما يميّز الصباح في البداية، فقد استيقظ الرجل كما يفعل كل يوم، على نفس الصوت، ونفس الضوء الذي يتسلل من النافذة، ونفس الإحساس الباهت بأن اليوم يشبه ما قبله. نهض ببطء، غسل وجهه، أعد قهوته، وجلس يحدق إلى البخار المتصاعد دون أن يفكر في شيء محدد. كان يومًا عاديًا تمامًا، إلى درجة أنه لم يكن يستحق أن يُلاحظ، وهذا بالضبط ما جعله مختلفًا لاحقًا.
خرج إلى الشارع، فوجد الحركة كما هي، الناس تمضي في طرقها، السيارات تمر، والأصوات تتداخل بلا معنى واضح. لكن بعد خطوات قليلة، شعر بشيء غريب، ليس في الخارج، بل في داخله، كأن هناك فجوة صغيرة في إدراكه، كأن لحظة ما قد سقطت دون أن يراها. توقف، حاول أن يتذكر ما كان يفكر فيه قبل ثوانٍ، لكنه لم يجد شيئًا، فقط إحساسًا بأنه فقد جزءًا لم يستطع تحديده.
لم يعطِ الأمر أهمية في البداية، لكن الإحساس تكرر. كل بضع دقائق، كان يشعر أن الزمن يقفز قفزة قصيرة، غير مرئية، تُحذف منها تفاصيل لا يمكن استعادتها. لم يكن هناك ألم، ولا دوار، فقط انقطاع نظيف، كأن أحدهم يقص أجزاء صغيرة من يومه بعناية. بدأ يراقب الساعة، يحاول أن يمسك اللحظة التي يحدث فيها ذلك، لكن عقاربها كانت تتحرك بشكل طبيعي، بينما داخله كان يتأكد أن شيئًا ما لا يحدث كما يجب.
عند الظهيرة، قرر أن يسجل ما يحدث. أخرج هاتفه، وبدأ يكتب ملاحظات قصيرة عن كل دقيقة تمر، لكن بعد فترة، عندما عاد ليقرأ ما كتبه، وجد فجوات بين الجمل، أسطر ناقصة، أفكار تبدأ ولا تكتمل. الأسوأ من ذلك أنه لم يتذكر أنه كتبها أصلًا. كانت كتابته، بأسلوبه، لكنها بدت كأنها كُتبت في غيابه.
عاد إلى منزله مبكرًا، وأغلق الباب خلفه، كأن الجدران قد تحميه من شيء لا يفهمه. جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط، وقرر أن يبقى واعيًا، أن لا يسمح لأي لحظة أن تمر دون أن يشعر بها. ركز على تنفسه، على دقات قلبه، على أي شيء ثابت يمكنه الإمساك به. مرّت دقائق، وربما أكثر، دون أن يحدث شيء، فبدأ يشعر أنه استعاد السيطرة، وأن ما حدث كان مجرد توتر عابر.
ثم.. وجد نفسه واقفًا. لم يتذكر أنه نهض. لم يتذكر أنه تحرك. فقط وجد نفسه في منتصف الغرفة، يواجه المرآة، وينظر إلى انعكاسه بنظرة لم يكن يعرفها. اقترب ببطء، وحدق في وجهه، فشعر أن ملامحه مألوفة، لكنها بعيدة قليلًا، كأنها تعود لشخص عاش يومًا لم يعشه هو.
اقترب أكثر، ولاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل: عينيه تبدوان مرهقتين أكثر مما ينبغي، وكأنهما شهدتا أشياء لم تصل إليه. مدّ يده ليلمس الزجاج، لكنه توقف عندما رأى انعكاسه يسبقه بجزء من الثانية، حركة صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتزرع داخله خوفًا صامتًا.
تراجع خطوة، فتابعه الانعكاس، لكن ذلك التأخير البسيط لم يختفِ. لم يكن انعكاسًا دقيقًا، بل نسخة تعيش بتأخير أو تقدم لا يمكن تحديده بدقة. عندها بدأ يفهم، أو يقترب من الفهم: لم يكن هو من يفقد اللحظات، بل هناك نسخة أخرى تعيشها بدلًا منه.
اندفع نحو المرآة، وكأنه يحاول الإمساك بها، لكنه لم يجد سوى سطح بارد صلب. ظل ينظر، ينتظر أن يرى الخطأ مرة أخرى، لكنه لم يظهر. كل شيء عاد طبيعيًا، أو بدا كذلك. ابتعد ببطء، وجلس مرة أخرى، يحاول أن يستوعب الفكرة التي بدأت تتشكل في ذهنه. إذا كانت هناك لحظات لا يتذكرها، فهذا يعني أنها حدثت.. لكن لغيره.
في المساء، قرر أن يجرب شيئًا أخيرًا. كتب على ورقة جملة واضحة: “إذا قرأت هذه، فأنت لست أنا”. ووضعها أمامه على الطاولة، ثم جلس يحدق فيها، مصممًا ألا يبتعد عنها بعينيه. مرّت لحظات، طويلة وثقيلة، شعر خلالها أن الزمن يعود لطبيعته، وأن كل شيء تحت سيطرته.
ثم.. رمش.. لم يكن رمشًا عاديًا، بل انقطاعًا كاملًا، قصيرًا، لكنه كافٍ. وعندما عاد، كانت الورقة قد تغيّرت. لم تختفِ، لكنها لم تعد كما كتبها. تحت الجملة، كُتبت عبارة أخرى، بخطه نفسه، لكن بأسلوب مختلف قليلًا: “وأنا أيضًا أعتقد ذلك”.
تجمد مكانه، وعاد الإحساس بالفجوة، لكن هذه المرة لم تكن في الزمن، بل في المعنى. لم يعد السؤال ما الذي يُحذف من يومه، بل من الذي يعيش هذه الأجزاء بدلًا منه.
وفي الليالي التالية، لم يحاول أن يقاوم، بل بدأ يراقب. كل انقطاع، كل فجوة، كل لحظة ضائعة، أصبحت دليلًا على وجود آخر يتحرك بالتوازي معه. لم يكن يراه، لكنه كان يترك أثره، جملة، حركة، نظرة مختلفة في المرآة.
ومع مرور الوقت، بدأ الشيء الأكثر رعبًا يحدث ببطء شديد: لم تعد اللحظات التي يعيشها هو هي الأكثر وضوحًا، بل تلك التي لا يتذكرها. كأن الآخر صار هو الأصل، وهو مجرد فراغات صغيرة بين أفعاله. وفي يوم لم يستطع تحديده، استيقظ كما يفعل دائمًا، لكن دون أن يشعر بأي انقطاع، أو أي فجوة. كل شيء بدا متصلًا، طبيعيًا، بلا نقص. تحرك، تكلم، نظر في المرآة، ولم يجد شيئًا غريبًا. ابتسم. لأنه أخيرًا.. لم يفقد أي لحظة. لكن السؤال الذي لم يعد يملك وسيلة للإجابة عنه، كان بسيطًا وهادئًا: هل عاد هو.. أم اختفى تمامًا، ولم يبقَ سوى الآخر؟



