هيكل كتب خطاب تنحي عبد الناصر واقترح زكريا محيي الدين خلفًا له
هيكل كتب خطاب تنحي عبد الناصر واقترح زكريا محيي الدين

في مثل هذا اليوم التاسع من يونيو عام 1967، وفي رابع أيام النكسة، ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابًا حزينًا على الهواء مباشرة عبر التلفزيون أعلن فيه تنحيه عن رئاسة الجمهورية، معترفًا بمسؤوليته الكاملة عن الهزيمة التي حلت بالجيش المصري في الخامس من يونيو. ورشح عبد الناصر السيد زكريا محيي الدين، أكبر أعضاء مجلس قيادة الثورة سنًا، لتولي السلطة من بعده. لكن القرار قوبل برفض شعبي واسع، حيث اندلعت مظاهرات حاشدة يومي التاسع والعاشر من يونيو بالملايين، تطالب عبد الناصر بالبقاء في منصبه.

هيكل شاهد على كتابة خطاب التنحي

كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل الشاهد الوحيد على كتابة خطاب التنحي، إذ كتبه بيده بعد مناقشة مع الرئيس. بل إن هيكل هو من اقترح اسم زكريا محيي الدين لتولي الرئاسة، رافضًا اقتراح عبد الناصر بتكليف شمس بدران، وزير الحربية آنذاك، بالمهمة.

خسائر الجيش المصري وتطورات الأحداث

في كتابه "الانفجار"، يروي هيكل تفاصيل تلك اللحظات العصيبة، مشيرًا إلى أن الصحف كانت تتحدث عن حجم الخسائر الفادحة التي لحقت بالجيش المصري، بينما كانت المعارك لا تزال دائرة على الجبهة. كان عبد الناصر يتابع التطورات عن كثب، وشعر بحجم الكارثة التي حلت بالجيش، ورغم محاولاته إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أدرك أن الموقف أصبح خارج السيطرة، فاتصل بوزير الخارجية محمود رياض وأمره بإبلاغ سفير مصر في الأمم المتحدة بنيويورك بموافقة مصر على وقف إطلاق النار.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جلسة هيكل وعامر مع عبد الناصر

في جلسة جمعت هيكل وعبد الحكيم عامر مع الرئيس جمال عبد الناصر، اقترح عبد الناصر تقديم استقالته وتحمل المسؤولية الكاملة عن النكسة، مع تكليف شمس بدران برئاسة مصر مؤقتًا. أيده هيكل في فكرة الاستقالة، لكنه رفض اقتراح شمس بدران ورشح بدلاً منه زكريا محيي الدين، نظرًا لكونه الأكبر سنًا بين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وامتلاكه مميزات شخصية تمكنه من لملمة شتات الوطن. وافق عبد الناصر على الاقتراح، وكتب هيكل الخطاب على هذا الأساس.

رد فعل الجماهير على التنحي

علق عبد الناصر على الخطاب - حسب رواية هيكل - قائلاً: "لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق." وبالفعل، خرجت الجماهير المصرية في مظاهرات عارمة ليلة التاسع من يونيو وفي اليوم التالي، تطالب بعودة الزعيم وترفض التنحي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

نص خطاب التنحي

في خطابه، قال عبد الناصر: "أيها الإخوة المواطنون.. لا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكني واثق أننا جميعًا نستطيع أن نجتاز هذا الموقف الصعب. لقد تعودنا معًا في أوقات النصر وفي أوقات المحنة أن نجلس معًا ونتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائمًا أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة." وأضاف: "جاءت ضربة العدو، وإذا كنا نقول الآن بأنها جاءت بأكثر مما توقعناه، فلابد أن نقول في نفس الوقت وبثقة أكيدة إنها جاءت بأكبر مما يملكه، مما أوضح منذ اللحظة الأولى أن هناك قوى أخرى وراء العدو، جاءت لتصفى حساباتها مع حركة القومية العربية. إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحًا أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر." وتابع: "تطبيقًا لنص المادة 110 من الدستور المؤقت الصادر في مارس 1964، فقد كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيي الدين بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية. بعد هذا القرار، فإنني أضع كل ما عندي تحت طلبه وفي خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا." وختم: "لقد قررت أن أتخلى نهائيًا عن كل منصب رسمي وكل دور سياسي وأن أعود لصفوف الجماهير وأقوم بواجبي مثل أي مواطن آخر. هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأية أنانيات أو مشاعر فردية. إن قلبي كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معي، وليكن الله معنا جميعًا."

صلاح جاهين يسجل المشهد

في اليوم التالي، كتب الشاعر صلاح جاهين في مجلة "صباح الخير" واصفًا المشهد: "خرج الشعب.. أنا وأنت ليلة 9 يونيو في الظلام وتحت قصف المدافع المضادة للطائرات ليعلن رفضه لقرار الرئيس جمال عبد الناصر بالتنحي وليؤكد تمسكه بقيادته. وعندما ظل الشعب أنا وأنت ساهرًا طوال تلك الليلة العصيبة حتى الصباح، وتدفقت جموعه من كل ركن من أركان الوطن نحو مجلس الأمة ليؤكد ذلك الرفض وذلك التمسك.. هنا كان الشعب يعبر برصيد خبرة نضالية تاريخية طويلة عن رفضه للهزيمة، وعن إصراره على أن يتجاوز النكسة، ويرتفع فوقها في طريق النصر."