صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق مع إيران قد بلغت "مراحلها النهائية"، متوقعاً إنجاز تفاهم خلال "يومين أو ثلاثة"، في تصريحات تعكس تسارعاً ملحوظاً في الخطاب الأمريكي بشأن الملف النووي الإيراني. وأكد ترامب أن الاتفاق المرتقب سيكون "جيداً جداً"، مشيراً إلى أن طهران تعاني ضغوطاً اقتصادية كبيرة قد تسهم في دفع مسار التفاوض نحو نتيجة سريعة.
رسائل ترامب للداخل الأمريكي
تعمد ترامب الإدلاء بتصريحاته عقب حضوره مباراة نهائي دوري كرة السلة في نيويورك، في دلالة سياسية وإعلامية تهدف إلى "تقليل ثقل الموضوع أمام الجمهور الأمريكي"، بما ينسجم مع خطابه القائم على تبسيط القضايا الاستراتيجية. كما سعى إلى الظهور في صورة "القيادة المهيمنة غير المتوترة"، وتعزيز صورة القائد القريب من الجمهور، وزيادة تأثير التصريح إعلامياً عبر سياق غير رسمي، وذلك في وقت يتراجع فيه شعبيته بشكل كبير؛ حيث أظهر استطلاع رويترز/إيبسوس أن نسبة تأييده تبلغ حوالي 34% فقط، وأن 59% من المشاركين يتوقعون ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة خلال العام المقبل.
وأظهر الاستطلاع أن 22% فقط من الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع تكاليف المعيشة، مقارنة بـ 70% يعارضون ذلك، وهو ما يمثل رضا أقل من سلفه جو بايدن الذي أنهى ولايته بنسبة تأييد 29% في هذه القضية. كما وجد أن 36% من الأمريكيين أيدوا الضربات الأمريكية على إيران، بينما قال 25% إن فوائدها تستحق تكاليفها. وأشار الناخبون المسجلون إلى أنهم سيختارون الديمقراطيين على الجمهوريين بنسبة 41% مقابل 37% لو أجريت الانتخابات التشريعية اليوم.
هل يمكن التوصل لاتفاق خلال يومين أو ثلاثة؟
يطرح حديث ترامب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران خلال هذا الإطار الزمني القصير تساؤلات حول واقعيته، إذ لا يُنظر إليه بوصفه تقديراً تفاوضياً دقيقاً بقدر ما يعكس رغبته في استخدام العامل الزمني كأداة ضغط سياسي على إيران. ويهدف هذا النوع من التصريحات إلى رفع كلفة التأخير على طهران، عبر تصوير مسار المفاوضات وكأنه في مراحله الحاسمة والنهائية، مما يدفع الطرف المقابل إلى تقديم تنازلات أسرع. كما يندرج ضمن استراتيجية تفاوضية تقوم على إظهار واشنطن باعتبارها الطرف القادر على ضبط إيقاع العملية التفاوضية.
يتناقض ذلك مع تقرير لـ"نيويورك تايمز" حول الخسائر الأمريكية العسكرية خلال الحرب على إيران، والذي سجل أكثر من 4800 هجوم متبادل، واستهلاك أكثر من ألف صاروخ توماهوك (نحو 30% من المخزون قبل الحرب)، بتكلفة مباشرة تقدر بنحو 29 مليار دولار، واحتمال تجاوزها تريليون دولار على المدى الطويل.
تصريحات ترامب حول إسرائيل
تعكس تصريحات ترامب بشأن إسرائيل حرصاً على إبقاء التنسيق الاستراتيجي مع تل أبيب دون تشكيك علني، إذ أكد أنه لا يحمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مسؤولية التصعيد الأخير، واصفاً المكالمة الهاتفية معه بأنها "رائعة". ويمكن قراءة ذلك كرسالة سياسية تستهدف تثبيت متانة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، وتجنب تحميل إسرائيل مسؤولية مباشرة عن التوترات الإقليمية، بما يحافظ على هامش التنسيق المشترك في إدارة التصعيد مع إيران.
تتناقض هذه التصريحات مع تقارير متواترة حول خلافات بين ترامب ونتنياهو؛ حيث نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين أن ترامب وجه انتقادات حادة لنتنياهو خلال اتصال هاتفي على خلفية التصعيد الإسرائيلي في لبنان، ووصفه بأنه "مجنون" واتهمه بعدم إظهار الامتنان للدعم الأمريكي.
الحديث عن باراك أوباما
عكس تفاؤل ترامب بإمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جديد توجهاً تفاوضياً يهدف إلى إعادة صياغة الاتفاق المحتمل بوصفه "أفضل بكثير" من اتفاق 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما. ويُقرأ هذا الطرح باعتباره استمراراً لاستخدام ترامب لغة المقارنة مع السياسات الديمقراطية السابقة كأداة سياسية، تهدف إلى تعزيز شرعية أي اتفاق مرتقب داخلياً، وتقديمه كإنجاز تفاوضي يتجاوز النماذج السابقة من حيث الشروط والمخرجات.
تنسجم هذه التصريحات مع خطاب سياسي يهدف إلى ترسيخ صورة ترامب كصانع صفقات قادر على تحقيق نتائج أكثر صرامة وفعالية من الإدارات الديمقراطية السابقة. ويعزز هذا النمط موقع الملف الإيراني كأحد أبرز ملفات الأمن القومي القابلة للتوظيف انتخابياً، بما يتيح لترامب تقديم أي تقدم دبلوماسي محتمل باعتباره إنجازاً شخصياً وسياسياً في آن واحد، في سياق سياسي يتزامن مع بدء العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر 2026، وسط مؤشرات استطلاعات رأي تشير إلى تراجع كبير في صفوف الحزب الجمهوري لصالح الديمقراطيين جراء سياسات ترامب المتهورة في الملفات الاقتصادية والسياسة الخارجية.



