في ظل الجدل المتواصل حول ملف الكلاب الضالة المنتشرة في المدن المصرية، يظل هذا الموضوع من أكثر القضايا تعقيداً نظراً لصعوبة وارتفاع تكلفة الحلول المطروحة. وفي هذا السياق، صرحت الدكتورة شيرين زكي، رئيس لجنة سلامة الغذاء بالنقابة العامة للأطباء البيطريين، بأن التعامل مع ملف الكلاب الضالة لا يمكن أن يتم بمعزل عن منظومة متكاملة تجمع بين الإدارة البيئية والتشريعات الحازمة.
الكلاب الضالة ليست وسيلة لمكافحة المفترسات
أكدت الدكتورة شيرين زكي أن الاعتقاد الشائع بأن الكلاب الضالة تمثل وسيلة لمكافحة الثعالب أو الذئاب أو القوارض هو تصور غير دقيق علمياً، موضحة أن هذه الكلاب لا تلعب دوراً بيئياً منظماً داخل السلسلة الغذائية في المناطق الحضرية. وأشارت إلى أن انتشار الكلاب الضالة في بعض المناطق، خاصة القريبة من الظهير الصحراوي، يرتبط بشكل مباشر بتوفر مصادر غذاء عشوائية، مثل مخلفات الطعام وبقايا الذبح، التي تُعد العامل الأساسي في جذب هذه الحيوانات واستقرارها.
المخلفات العشوائية السبب الرئيسي
أوضحت الدكتورة شيرين زكي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الحيوانات بحد ذاتها، بل في غياب الإدارة السليمة للمخلفات العضوية داخل المدن، حيث تؤدي بقايا الطعام ومخلفات الذبح غير المنضبطة إلى خلق بيئة جاذبة للحيوانات الضالة. وأضافت أن ضبط منظومة النظافة العامة يمثل نقطة البداية لأي حل حقيقي، باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في الحد من انتشار هذه الظاهرة.
القطط في مواجهة القوارض
وفي جانب آخر من التصريحات، شددت الدكتورة شيرين زكي على أن القطط تمثل عنصراً مهماً في مكافحة القوارض داخل البيئة الحضرية، إلى جانب بعض الطيور الجارحة التي تلعب دوراً طبيعياً في ضبط التوازن البيئي. ولفتت إلى أن تراجع أعداد القطط في الشوارع خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تعرضها للافتراس من الكلاب أو اختفائها تدريجياً، ساهم في حدوث خلل واضح في التوازن البيئي، انعكس في زيادة أعداد القوارض داخل بعض المناطق.
التحصين ضد السعار
وفيما يتعلق ببرامج التحصين ضد مرض السعار، أوضحت الدكتورة شيرين زكي أن هذه البرامج تأتي ضمن استراتيجية عالمية تستهدف القضاء على المرض بحلول عام 2030، لكنها ليست وسيلة حماية مطلقة. وأكدت أن فعالية التحصين تعتمد على عدة عوامل، من بينها الحالة المناعية للحيوان، وطريقة حفظ اللقاح، وتوقيت الجرعات، والالتزام بالجدول الزمني للتطعيم، مشددة على ضرورة عدم الاعتماد عليه كحل منفرد.
حلول أزمة الكلاب الضالة
تطرقت الدكتورة شيرين زكي إلى برامج التعقيم باعتبارها أحد الحلول المطروحة للحد من أعداد الكلاب الضالة، لكنها أكدت أن تطبيقها يتطلب إمكانات تنظيمية ومالية كبيرة، إلى جانب وجود بنية تحتية مخصصة لاستقبال الحيوانات. كما أوضحت أن إنشاء الشلاتر أو أماكن التجميع يمثل نموذجاً مطروحاً عالمياً، يمكن أن يشمل فتح باب التبني للحالات السليمة، والتعامل مع الحالات المرضية وفق بروتوكولات إنسانية منظمة تراعي الصحة العامة والرفق بالحيوان.
فجوة تشريعية في ملف المخلفات
في سياق متصل، شددت الدكتورة شيرين زكي على أن غياب تشريع رادع خاص بإلقاء مخلفات الذبح في الشوارع يمثل فجوة قانونية خطيرة، مشيرة إلى أن هذه المخلفات قد تحتوي على بكتيريا وطفيليات تشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة. وأضافت أن هذه الظاهرة لا تؤدي فقط إلى تلوث بيئي، بل تساهم أيضاً في جذب الحيوانات الضالة، مما يزيد من تعقيد الأزمة داخل المدن والمناطق السكنية.
وأكدت الدكتورة شيرين زكي أن هناك بالفعل قوانين تنظم عمليات الذبح داخل المجازر وتجرم الذبح في الشوارع، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في ضعف آليات التنفيذ على أرض الواقع، وغياب الرقابة الصارمة على المخالفات البيئية. وأشارت إلى أن تفعيل هذه القوانين بشكل أكثر حزماً من شأنه أن يحد من انتشار الظاهرة، ويقلل من الأعباء الواقعة على الأجهزة التنفيذية في متابعة المخالفات اليومية.
وأكدت الدكتورة شيرين زكي على ضرورة تكامل الأدوار بين الجهات التنفيذية والبرلمان والجهات الرقابية، من أجل إصدار تشريعات واضحة ورادعة تضمن ضبط الشارع المصري، وتحقيق التوازن بين الصحة العامة وحماية البيئة. وشددت على أن إدارة هذا الملف تتطلب رؤية شاملة تجمع بين التشريع والتطبيق والرقابة، لضمان معالجة جذور المشكلة وليس التعامل مع نتائجها فقط.



