يتوفر في اللحوم والألبان.. اكتشاف عنصر غذائي قد يفتح آفاقا جديدة لعلاج السرطان. كتب: أمنية سعيد - 10:41 ص - الأحد 24 مايو 2026.
اكتشاف عنصر غذائي في اللحوم والألبان يعزز طاقة الخلايا
تُعرف الميتوكوندريا غالبًا باسم محطات الطاقة في الخلية لأنها تُنتج الطاقة اللازمة للجسم للقيام بوظائفه المختلفة وحيويته، وتُعدّل هذه التراكيب الدقيقة نشاطها باستمرار ومرونة تبعًا لكمية الطاقة التي تحتاجها الخلايا في الأوقات المختلفة. ولطالما عرف العلماء منذ فترة طويلة أن العناصر الغذائية تؤثر بشكل مباشر في هذه العملية الحيوية، ولكن كيفية استشعار الخلايا لهذه العناصر الغذائية المتنوعة والاستجابة لها ظلت غير واضحة تمامًا أو مفهومة التفاصيل في الأوساط العلمية، إلا أنّه جرى اكتشاف عنصر غذائي يتوفر في اللحوم والألبان يمكنه تعزيز طاقة الخلايا بشكل كبير.
في هذا الصدد، كشف باحثون في جامعة كولونيا مؤخرًا عن عنصر غذائي يتوفر في اللحوم والألبان يساعد على تعزيز طاقة الخلايا، وذلك من خلال آلية بيولوجية جديدة تُظهر كيف يُمكن لحمض الليوسين الأميني أن يُحسّن بشكل ملموس أداء الميتوكوندريا ووظائفها. وتُشير نتائجهم البحثية إلى أن الليوسين يُساعد بفاعلية في الحفاظ على البروتينات الأساسية المُشاركة في عملية إنتاج الطاقة، ما يسمح للخلايا بتوليد هذه الطاقة بكفاءة أكبر. وقد نُشرت هذه الدراسة العلمية، التي قادها البروفيسور الدكتور ثورستن هوب من معهد علم الوراثة ومجموعة التميز لأبحاث الشيخوخة CECAD، في مجلة Nature Cell Biology تحت عنوان «الليوسين يُثبّط تحلل بروتينات الغشاء الخارجي للميتوكوندريا لتكييف التنفس الميتوكوندري»، بحسب ما ذكر موقع Science Daily.
ما هو الليوسين وفوائده؟
يعتبر الليوسين حمضًا أمينيًا أساسيًا، وهو ما يعني أن جسم الإنسان لا يستطيع إنتاجه أو تخليقه بنفسه، وبالتالي يجب الحصول عليه وإمداد الجسم به من خلال الأطعمة المتناولة. وهو يتواجد بكثرة في الأطعمة الغنية بالبروتين، بما في ذلك اللحوم بمختلف أنواعها، ومنتجات الألبان، والفاصوليا، والعدس. وبينما يُعرف الليوسين تاريخيًا بدوره الأساسي والبنائي في بناء البروتينات، فقد كشف هذا البحث الجديد والملفت عن وظيفة أخرى مهمة وحيوية للغاية له.
وتوصل الفريق البحثي في دراسته إلى أن حمض الليوسين يمنع تحلل وتكسير بعض البروتينات الهامة الموجودة على السطح الخارجي للميتوكوندريا. وتساعد هذه البروتينات تحديدًا في نقل جزيئات أيضية مهمة ورئيسية إلى داخل الميتوكوندريا، ما يسمح باستمرار عملية إنتاج الطاقة بكفاءة عالية. ومن خلال حماية هذه البروتينات من التحلل، يُمكّن الليوسين الميتوكوندريا من العمل بمستوى أداء أعلى، ويساعد الخلايا بفاعلية على تلبية احتياجاتها المتزايدة والمتسارعة من الطاقة.
تنظيم العملية الحيوية للخلايا
كما نجح الباحثون أيضًا في تحديد بروتين رئيسي ومحوري يُدعى SEL1L يُساعد بشكل أساسي في تنظيم هذه العملية الحيوية بالكامل. ففي الظروف الطبيعية المعتادة، يعمل بروتين SEL1L كجزء لا يتجزأ من نظام مراقبة جودة الخلية الحيوية، وذلك من خلال تحديد البروتينات التالفة أو المطوية بشكل خاطئ وغير السليم ووضع علامة محددة عليها لتدميرها والتخلص منها.
وبحسب ما أوردته الدراسة، فإنّ حمض الليوسين يقوم بتثبيط وتقييد نشاط بروتين SEL1L. ونتيجة لهذا التثبيط، يقل تحلل البروتينات الميتوكوندرية المستهدفة، ما يؤدي بالتبعية إلى تحسين كفاءة عمل الميتوكوندريا بشكل عام ويعزز من عملية إنتاج الطاقة الخلوية.
ولفهم التأثير الأوسع والأشمل لهذا الاكتشاف العلمي بشكل أفضل، درس الباحثون تأثيرات استقلاب وحرق الليوسين في الدودة الأسطوانية الصغيرة المعروفة باسم Caenorhabditis elegans، ووجدوا من خلال هذه التجربة أن حدوث مشاكل في تكسير واستقلاب الليوسين قد يُلحق ضررًا بالغًا بوظيفة الميتوكوندريا، بل ويمكن أن يسبب كذلك مشاكل واضحة في الخصوبة.
وقام الفريق أيضًا بفحص خلايا سرطان الرئة البشرية، واكتشف أن بعض الطفرات الجينية المرتبطة بالسرطان والتي تؤثر سلبًا على استقلاب الليوسين تُحسّن في المقابل من بقاء الخلايا السرطانية على قيد الحياة وتكاثرها. وتشير هذه النتيجة إلى أن هذا المسار البيولوجي قد يلعب دورًا هامًا ومحوريًا في أبحاث السرطان وتطوير العلاجات الموجهة له في المستقبل القريب.
وتقدم هذه الدراسة أدلة علمية جديدة وقوية على أن العناصر الغذائية لا تقتصر وظيفتها الأساسية على تزويد الجسم بالطاقة فحسب، بل تؤثر أيضاً بشكل نشط وفعّال على كيفية توليد الخلايا لهذه الطاقة وإدارتها وتوجيهها على المستوى الجزيئي الدقيق. ومن خلال الكشف عن كيفية تنظيم حمض الليوسين لنشاط الميتوكوندريا، يعتقد الباحثون أن عملهم هذا قد يُسهم في نهاية المطاف في توجيه وابتكار علاجات جديدة وطفرات طبية لاضطرابات التمثيل الغذائي، والسرطان، وأمراض أخرى عديدة مرتبطة بضعف وقصور إنتاج الطاقة في الجسم.



