في المستقبل القريب، قد يجد المرضى أنفسهم يجيبون على أسئلة يطرحها نظام ذكاء اصطناعي قبل زيارة الطبيب، وبناءً على تلك الإجابات، يمكن للنظام تحديد ما إذا كانت الحالة طارئة، وما إذا كان بالإمكان تأجيل العلاج، وحتى تحديد موعد للزيارة.
وعلى الرغم من أن هذا المستقبل قد يبدو بعيد المنال، إلا أن قطاع الرعاية الصحية يسير بالفعل في هذا الاتجاه. إذ أصبحت روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وأدوات فحص الأعراض الرقمية بسرعة نقطة الاتصال الأولى للمرضى الذين يجرون تقييمًا ذاتيًا، حيث تقدم إرشادات مبكرة قبل تدخل أي مختص طبي، وفق موقع SciTechDaily.
ويسعى الباحثون حاليًا للإجابة عن سؤال جديد بالغ الأهمية: هل يتواصل الناس مع الآلات بشكل مختلف عن تواصلهم مع الأطباء؟ قد يكون للإجابة تداعيات كبيرة، لأن حتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطورًا لا يمكنها تقديم تقييمات موثوقة إلا عندما يقدم المرضى معلومات دقيقة ومفصلة.
تفاصيل الدراسة
سلطت دراسة جديدة، نُشرت في دورية Nature Health، وقادها البروفيسور ويلفريد كوندي من جامعة فورتسبورج والباحث المشارك موريتز رايس، على هذه المسألة. كما ساهم في البحث علماء من مستشفى شاريتيه الجامعي في برلين، وجامعة كامبريدج، ومستشفى هيليوس كلينيكوم إميل فون بيرينج ومستشفى فيفانتس كلينيكوم نويكولن.
أوضح رايس قائلًا: "طُلب من المشاركين في الدراسة، وعددهم 500، كتابة تقارير أعراض مُحاكاة لحالتين شائعتين: الصداع غير المعتاد وأعراض شبيهة بالإنفلونزا". وتم إبلاغ المشاركين بأن تقاريرهم ستُراجع إما بواسطة برنامج دردشة مدعوم بالذكاء الاصطناعي أو بواسطة طبيب بشري. ثم قيم الباحثون مدى فائدة هذه التقارير في تحديد مدى إلحاح الحالة الطبية.
النتائج الرئيسية
أظهرت النتائج نمطًا واضحًا. إذ عندما اعتقد المشاركون أنهم يتواصلون مع الذكاء الاصطناعي، أصبحت أوصافهم للأعراض أقل فائدة في التقييم الطبي مقارنة بالتقارير الموجهة للمتخصصين في الرعاية الصحية. كما لوحظ الاتجاه ذاته حتى بين المشاركين الذين كانوا يعانون بالفعل من الأعراض المذكورة في الاستبيان.
وانعكس هذا الاختلاف في مقدار التفاصيل التي قدمها الأشخاص. فقد بلغ متوسط طول التقارير الموجهة إلى المتخصصين في المجال الطبي 255.6 حرفًا، بينما بلغ متوسط التقارير الموجهة إلى روبوتات الدردشة 228.7 حرفًا.
عواقب حقيقية
وعلى الرغم من أن فارق 28 حرفًا قد يبدو طفيفًا، إلا أن الباحثين أشاروا إلى أنه قد تترتب عليه عواقب حقيقية. إذ حتى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة يمكن أن تقدم نصائح طبية غير دقيقة إذا أغفل المرضى تفاصيل أساسية. وحسب الفريق البحثي، فإن فعالية التقييمات الصحية الرقمية لا تعتمد فقط على قوة الحوسبة، بل أيضًا على مدى تقديم المستخدمين أوصافًا شاملة ودقيقة لأعراضهم.
كما يعتقد الباحثون أن أحد أسباب هذا التردد يعود إلى ما يُعرف بـ"إهمال التفرد"، حيث بيّن كوندي أن "الكثير من الناس يفترضون أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع فهم الفروق الدقيقة الفردية لحالتهم الشخصية، بل يكتفي بمطابقة أنماط معيارية عامة". كذلك قد تؤدي المخاوف المتعلقة بالخصوصية والتشكيك في دقة التشخيصات القائمة على الخوارزميات إلى دفع المستخدمين لتقديم معلومات غير مكتملة أو غامضة.
ووصف رايس المشكلة بالقول: "إذا لم نثق بقدرة الآلة على فهم خصوصيتنا، فقد نحجب عنها دون وعي المعلومات اللازمة لتقديم مساعدة دقيقة". ونتيجة لذلك، قد لا تصل تفاصيل طبية مهمة إلى النظام، ما يُضعف جودة التشخيص.
تحسين التواصل
فيما يرى الباحثون أن هذه النتائج تظهر أن تحسين تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وحده لن يكون كافيًا لحل المشكلة. كما يعتقدون أن تصميم واجهة مستخدم أفضل يمكن أن يساعد في تعزيز التواصل بشكل أكثر فعالية بين المرضى والأنظمة الرقمية. ولتحسين الإبلاغ عن الأعراض، يوصي الفريق بأن يقدم المطورون للمستخدمين أمثلة واضحة على أوصاف مفصلة وعالية الجودة، وأن يصمموا أنظمة ذكاء اصطناعي تطرح أسئلة متابعة بشكل نشط عند نقص المعلومات. كما أن تشجيع المرضى على مشاركة تفاصيل أكثر اكتمالًا يمكن أن يقلل من التشخيصات الخاطئة ويساعد في تخفيف الضغط على أنظمة الرعاية الصحية.



