رغم تعدد المبادرات الحكومية والتمويلية التي أطلقت خلال السنوات الأخيرة لإنقاذ المصانع المتعثرة وإعادة تشغيل خطوط الإنتاج، فإن النتائج على أرض الواقع لا تزال أقل من حجم الوعود والطموحات المعلنة. وبينما نجحت بعض المصانع في العودة الجزئية للعمل، ما زالت أزمات التمويل، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعقيد الإجراءات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، تمثل عقبات حقيقية أمام استعادة القطاع الصناعي لعافيته الكاملة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة استمرار جهودها لدعم الصناعة باعتبارها قاطرة للنمو الاقتصادي وزيادة الصادرات، يرى خبراء أن الأزمة تتجاوز مجرد توفير قروض أو مبادرات مؤقتة، لتتطلب إصلاحات هيكلية أعمق تضمن بيئة تشغيل مستقرة وقدرة تنافسية حقيقية للمصانع المصرية.
الفجوة بين الأهداف والتحديات
قال الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، إن المجمعات الصناعية في بلبيس والعاشر من رمضان تمثل نموذجًا واقعيًا للفجوة بين الأهداف المعلنة وتحديات التشغيل الفعلية، مشيرًا إلى أن المصانع التي استأنفت نشاطها ما زالت تواجه صعوبات في الوصول إلى كامل طاقتها الإنتاجية. وأوضح في تصريح خاص أن انكماش مؤشر مديري المشتريات عند مستوى 46.6 نقطة، وهو أقل من مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، إلى جانب تراجع الإنتاج الصناعي بنحو 2%، يعكسان حجم الضغوط التي تفرضها بيئة الأعمال المحلية على المصانع. وأضاف أن المشكلة لم تكن يومًا في غياب النوايا، وإنما في آليات التنفيذ التي اصطدمت لفترات طويلة بالبيروقراطية وارتفاع تكاليف التشغيل.
تشدد البنوك في الإقراض
أشار أبو الفتوح إلى أن المبادرات التمويلية السابقة واجهت تعثرًا بسبب نقص السيولة أحيانًا، لكن الأزمة الأبرز تمثلت في تعقيد الإجراءات وربط التمويل بالتراخيص وتعدد الجهات المعنية، لافتًا إلى أن بعض البنوك ساهمت في استمرار الأزمة عبر تشديد شروط الإقراض والمبالغة في طلب الضمانات، إلى جانب ضعف المرونة في تمويل رأس المال العامل أو تحديث خطوط الإنتاج. وأكد أن تراجع الإنتاج يرتبط بعدة عوامل، من بينها تقادم الماكينات، وصعوبة توفير المواد الخام، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، فضلًا عن تراكم المديونيات المستحقة للضرائب والتأمينات والكهرباء، مشددًا على أن مسؤولية معالجة هذه الملفات تتطلب تنسيقًا أكبر بين الجهات الحكومية والإدارة الصناعية.
تقييم المبادرات التمويلية
أضاف أبو الفتوح أن المبادرة التمويلية بفائدة 15% ساعدت، وفق تصريحات مسؤولين ومجتمع الأعمال حتى مايو 2026، في إعادة تشغيل عدد من المصانع تدريجيًا، موضحًا أن منطقة شق الثعبان تضم أكثر من 100 مصنع متعثر، يعود نحو 70% من حالات التعثر فيها إلى مشكلات التقنين والتراخيص، في وقت انتهت فيه المهلة النهائية للاستفادة من المبادرة في 30 أبريل 2026 مع منح فرصة أخيرة لغير الملتزمين.
تحديات هيكلية مستمرة
من جانبه قال الدكتور علي الإدريسي الخبير الاقتصادي، إن ملف المصانع المتعثرة لا يزال يواجه تحديات كبيرة رغم تعدد المبادرات الحكومية خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص السيولة وصعوبة الحصول على التمويل، إلى جانب تداعيات الأزمات العالمية وتقلبات سعر الصرف، جميعها عوامل زادت من تعقيد الأزمة. وأوضح الإدريسي أن وزارة الصناعة تتحرك حاليًا عبر عدة مسارات تشمل حصر المصانع المتعثرة وإعادة تصنيفها وفق طبيعة التعثر، سواء كان ماليًا أو فنيًا أو تسويقيًا، مع وضع حلول مناسبة لكل حالة، بالتوازي مع التنسيق مع البنك المركزي والبنوك لإعادة جدولة المديونيات وتقديم تسهيلات ائتمانية، إضافة إلى تخصيص أراضٍ صناعية وتبسيط إجراءات التراخيص.
نجاحات محدودة
أشار الإدريسي إلى أن بعض المبادرات نجحت بالفعل في إعادة تشغيل عدد من المصانع، خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والمنسوجات، بما ساهم في الحفاظ على آلاف فرص العمل وتقليل معدلات الإغلاق، كما وفرت مبادرات دعم الفائدة وتأجيل الأقساط متنفسًا مؤقتًا لاستمرار الإنتاج. لكنه شدد على أن ما تحقق حتى الآن لا يزال أقل من الطموحات، بسبب استمرار المشكلات الهيكلية داخل القطاع الصناعي، وعلى رأسها ضعف التكنولوجيا، وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة، وصعوبة توفير العملة الأجنبية لاستيراد مستلزمات الإنتاج، إلى جانب تراجع القوة الشرائية وتأثيرها على حجم المبيعات والسيولة.
بطء الإجراءات
أضاف الإدريسي أن بعض المبادرات اصطدمت كذلك ببطء الإجراءات وتعقيدها، حيث اشتكى مستثمرون صناعيون من طول فترة الحصول على التمويل أو إعادة جدولة المديونيات، فضلًا عن اختلاف معايير التقييم من بنك لآخر، الأمر الذي أدى إلى خروج بعض المصانع من المبادرات لعدم قدرتها على توفير الضمانات المطلوبة أو إثبات الجدارة الائتمانية.
دور البنوك مزدوج
أوضح الإدريسي أن دور البنوك في أزمة المصانع المتعثرة كان مزدوجًا، إذ ساهم التشدد الائتماني وارتفاع أسعار الفائدة خلال فترات سابقة في زيادة الضغوط على المصانع، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، في حين لعبت بعض البنوك دورًا مهمًا في إعادة الهيكلة وجدولة الديون ضمن مبادرات البنك المركزي لدعم الصناعة. وأكد الإدريسي أن التمويل وحده لا يكفي لإنقاذ القطاع الصناعي، ما لم تتوافر بيئة تشغيل مستقرة وتكلفة إنتاج تنافسية، مشيرًا إلى أن أبرز التحديات الحالية تشمل ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة والنقل والشحن، وضعف القدرة التنافسية أمام المنتجات المستوردة، فضلًا عن مشكلات التسويق والتصدير، والبيروقراطية، وطول فترات الإفراج الجمركي، ونقص العمالة الفنية المدربة.
روشتة إنقاذ شاملة
واختتم الإدريسي حديثه بالتأكيد على أن نجاح مبادرات إنقاذ المصانع المتعثرة يتطلب رؤية شاملة تعتمد على إصلاحات هيكلية للصناعة المصرية، وتوطين الخامات، وتخفيف الأعباء الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار الصناعي، مع تعزيز التنسيق بين الحكومة والبنوك واتحاد الصناعات لضمان استدامة تشغيل المصانع وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد المصري.
ويبقى السؤال: هل ستتحول الروشتة إلى خطة عمل فعلية قبل فوات الأوان؟



